التفاسير

< >
عرض

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١٦٠
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
١٦١
أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
١٦٢
هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
١٦٣
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن النصرة والخذلان أنهما إليه لا إلى الأعوان، بقوله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 160]، إشارة في الآية: إن الله تعالى إن ينصركم بجذبات العناية ويخرجكم من حجب الوجود، {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160]، من أوصافكم وأحوالكم وأقوالكم، ومن نعمة الدنيوية والأخروية التي هي منشأ الوجود، {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} [آل عمران: 160] بترك الجذبات لإخراجكم {فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم} [آل عمران: 160] يخرجكم من جمع الأنبياء والمشايخ، {مِّنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160] من بعد فضل الله وكرمه، {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]؛ أي: فليفوض إلى الله تعالى أمر الإخراج من الوجود، المؤمنون الذين يعتقدون أن الله هو القادر على الإخراج عن الوجود، كما أنه القادر على الإدخال في الوجود، ويوقنون إن الخلائق عاجزون عن هذا الإدخال والإخراج إلا بإذنه، ولا يصح التوكل على الله إلا لمؤمن موقن بأنه { أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ } [الشورى: 53] كلها في معنى الخلق والرزق والأجل وغير ذلك، كقوله تعالى: { قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ } [النساء: 78].
ثم أخبر هن نفي غلول الأنبياء في شيء من الأشياء بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى ينفي الغلول عن الأنبياء في قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] من ثلاثة أوجه:
إحداها: ينفي الغلول من أفعالهم وأقوالهم؛ لأن فاعل الغلول أمر به وأمر به وهو منكر، والأنبياء أمروا بالمعروف، فالآمر بالمنكر لا يصلح أن يكون نبياً.
وثانيها: ينفي الغلول من خصالهم؛ لأن الغال خائن، والأنبياء أمناء الله على وحيه، والخائن لا يصلح أن يكون نبياً.
والثالث: ينفي الغلول من أحوالهم؛ لأن حال الغال أن يكون الغالب على أمره النفس وهواها، ومن حال النبي أن يكون غالباً على أمره.
كما أخبر عن حال يوسف عليه السلام بقوله:
{ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ } [يوسف: 21]، فمغلوب النفس والهوى لا يصلح للنبوة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم من يكون شفيعاً لأمته يوم القيامة، والشفيع هو الذي ينجوا بنفسه ثم ينجي غيره، ومن حال الغال ما قال الله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]؛ أي: يأتي به حاملاً على ظهره {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ} [آل عمران: 161]؛ أي: يجازي كل غالبة { مَّا كَسَبَتْ} [آل عمران: 161]، من الغلول، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161] في مجازاة عقوبة الغلول، دليله قوله تعالى: { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [النحل: 118]، فالمعاقب بمجازاة الغلول كيف ينجي غيره من العقوبة؟ ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ} [آل عمران: 162]؛ أي: وحي {ٱللَّهِ} [آل عمران: 162]، دليله من { ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } [الأنعام: 106]، {كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 162]؛ أي: الغلول، معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم من اتبع ما أوحي إليه طلب رضوان الله، لا الغال الذي يتبع بغلوله سخط الله، {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 162]، من هذا حاله فلا يساوي حال الغال أحوال الأنبياء، {هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 163]؛ يعني: هم الدرجات في مقام عندية الحق وهو مقعد الصدق، كقوله تعالى { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } [القمر: 55]، { وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163]، أهل الدرجات من الأنبياء وأتباعهم، وأهل الدركات من المنافقين القالين، فيجازيهم على قدر أعمالهم ونياتهم، "فإنما الأعمال بالنيات".