التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ
١٦٤
أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٦٥
وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٦٦
وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ
١٦٧
ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
١٦٨
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن خاصية النبوة والمنِّ بها على الأمة بقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ} [آل عمران: 164]، إشارة في الآية: إن الله تعالى مَنَّ على المؤمنين {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164]؛ أي: من جنسهم من بني آدم ولا ملكاً من الملائكة، فإنهم لا يدركونه بالحواس الخمس ولا ينفعهم به؛ لأنه من غير جنسهم، ويكن الانتفاع إلا من الجنس، كما قال تعالى: { وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } [الأنعام: 9]؛ يعني: من الكسوة البشرية؛ لكي ينتفعوا به حين {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [آل عمران: 164]؛ لأن جبريل عليه السلام كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ويتلوا عليه آيات الله وبعض الصحابة كانوا حاضرين، ولكن لا يسمعون تلاوته ولا ينتفعون بها، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلوا عليهم بلسان الظاهر فيسمعونها وينتفعون بها، فلما أراد الله تعالى أن يعلمهم معالم دينهم بواسطة جبريل عليه السلام، ألبسه لباس الصورة حتى جاء على صورة إعرابي قد أسند ركبته إلى ركبة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ ولم يعرفه أحد من الصحابة، فلما خرج من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أتاكم بعلم معالم الدين"؛ فلهذا مَنَّ الله تعالى عليهم ببعث النبي صلى الله عليه وسلم من جنسهم يتلوا عليهم كل يوم وليلة آياته {وَيُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 164] عن أخلاقهم الذميمة النفسانية، {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 164]؛ أي: القرآن، ويبين لهم معانيه وأسراره، كما قال تعالى { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44]، {وَٱلْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164]؛ يعني: الشرائع والسنن كما ذكره في سورة البقرة، {وَإِن كَانُواْ} [آل عمران: 164] في الجاهلية، {مِن قَبْلُ} [آل عمران: 164] بعثه، {لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]، { إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم } [الزخرف: 22].
ثم أخبر عن إصابة المصيبة أنها من شؤم النفس الخبيثة بقوله تعالى: {أَوَ لَمَّآ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا } [آل عمران: 165]، إشارة في الآية: إن المؤمن إذا أصابته مصيبة يصيب مثلها من كفارة الذنوب ورفعة الدرجات، وإن أصابته تلك المصيبة من شؤم ما اكتسبت أيديكم، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] أن يجعل المصيبة كفارة للذنوب ورفعة للدرجات، وأن يغفر الذنوب ويرفع الدرجات من غير مصيبة، كقوله تعالى:
{ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [المائدة: 15]، وقال تعالى: { رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } [غافر: 15]، {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 166]؛ أي: ببلائه وابتلائه لكم، {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 166]، {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} [آل عمران: 167]؛ أي: ليبتلي المؤمنين منه ببلاء حسن في بذل الروح والصبر والثبات على قدم الجهاد في سبيل الله، ويميزهم عن المنافقين، وليظهر نفاق الذين نافقوا بقعودهم عن القتال وحب الحياة واختيار الدنيا على الآخرة، وإظهار نفاقهم وكذبهم عند قولهم: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167]؛ يدعون بألسنتهم أتباع المجاهدين في سبيل الله، وليس في قلوبهم شوق إلى الله ومحبته، ولا يتعرضون لتذر الروح شوقاً إلى لقائه وطلباً لرضائه ولأنوار الإيمان، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167]؛ أي: أعلم منهم بما يكتمون في أنفسهم من صفات الكفر والنفاق، وبما جبلت عليه أنفسهم في أصل الخلقة وتخمير طينتهم التي من نتائج صفاتهم الذميمة وفساد اعتقادهم، {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168] وافقونا بالنفاق وسوء الاعتقاد والقعود عن طريقة الحق، {مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168] موت القلوب الذين من خصائصه: النفاق، وسوء الأخلاق، وفساد الاعتقاد، {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168] في دعواكم أنكم مصيبون في نفاقكم، وإخوانكم مخطئون على بذل الروح في سبيل الله.