التفاسير

< >
عرض

الۤمۤ
١
ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ
٢
نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ
٣
مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ
٤
إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ
٥
هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٦
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [آل عمران: 1-2]، والإشارة في الآية: إن الله تعالى بعد أن أظهر إلوهيته المودعة في {الۤمۤ} [آل عمران: 1]، بقوله: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة وأعطاف محبته [المختبئة] تحت قباب الغيرة مع سيد الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، أبد الآبدين ودهر الداهرين، بقوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران: 3]؛ أي: نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة؛ لتجليه لترك حقائقه لا صورة ألفاظه مكتوبة على الألواح، أحجار مقروءة كل قارئ سريانية وعبرانية دليله قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ} [آل عمران: 3]، قوله تعالى: و{بِٱلْحَقِّ} [آل عمران: 3] نزل؛ يعني: بالحقيقة نزل، وقوله تعالى: { ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } [الرحمن: 1-2]، وقوله تعالى: { عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } [الرحمن: 4]، وقوله تعالى: { مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ } [الشورى: 52]؛ يعني: ما كنت تعلم حقيقة الكتاب، وإلا كان يعلم ما صورة الكتاب.
ثم أخبر عن حقيقة الكتاب فقال تعالى:
{ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا } [الشورى: 52].
ثم اعلم أن تعليم الرحمن القرآن بأن يتجلى بنور صفة الذي؛ هو حقيقة القرآن على قلب من شاء من عباده، ومن علمه الرحمن القرآن بهذا التعليم يكون عليه من الله فضلاً عظيماً، فمن ذلك الفضل العظيم عليه بعد أن ينزل على قلبه حقيقة القرآن، علمه ما لم يكن يعلم من أسرار الإلوهية المكنونة في {الۤمۤ} [آل عمران: 1]، بتعليم تجلي أنوار صفاته على قلبه، فعلم سر وحدته، {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، يدل عليه قوله تعالى:
{ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } [محمد: 19]، وصار { مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } [البقرة: 97]؛ يعني: فلا كوشف عند تجلي أنوار الصفات بوحدانية الذات، صار شاهد السر الله في {الۤمۤ} [آل عمران: 1]، وهو الذي { بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ } [الحجرات: 1]، {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، فصار مصدقاً تصديق تحقيق لا تصديق تقليد، فافهم جيداً، إذ لا تعلم ولا تعلم إنك لا تفهم؛ لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من الطائرين ولا من السائرين.
ثم قال تعالى تأكيداً لهذه العاني وتشييداً لهذه المباني: {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3]، {مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} [آل عمران: 4]؛ يعني: لا تظن يا محمد إن إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء: كتنزيل القرآن بالحقيقة قلبك فتكاشف عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما أنزل الكتاب على الأنبياء والأمم، كقوله: {هُدًى لِّلنَّاسِ} [آل عمران: 4]، عمهم فيه وكنت مخصوصاً بالهداية عند تجلي أنوار القرآن في التنزيل على قلبك، كما قال تعالى:
{ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا } [الشورى: 52]، وقال تعالى: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } [النساء: 113]، خصصك بهداه وعلمه.
ثم قال تعالى مؤكداً معناه ومؤيداً لفحواه: {وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} [آل عمران: 4]؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقاناً، يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم:
"فضلت على الأنبياء بست" ، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نوراً من الله يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: { ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ } [الأنعام: 91]، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نوراً من الله تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: { قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ } [المائدة: 15]؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، { وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } [المائدة: 15]؛ وهو القرآن.
فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام:
{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } [الأعراف: 145]، وقال تشريفاً لك: { فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } [النجم: 10]، وقال تشريفاً لأمتك: { كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ } [المجادلة: 22].
فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 4]؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار اللامعات، والبراهين القاطعات، {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [آل عمران: 4]، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان وترك العاجلة بطريق المتابعة { وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} [آل عمران: 4]، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب العزة.
ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} [آل عمران: 5]، والإشارة فيها: إن الله هو الذي قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء، {هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ} [آل عمران: 6] في الظلمة الثلاث، {كَيْفَ يَشَآءُ} [آل عمران: 6]؛ أي: كيف ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذاً لم يخف عليه شيء مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو في الخارج، ثم قال تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 6]؛ يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئاً يكون مخفياً عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال والرفض، {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 6]، المقدر والمدبر {ٱلْعَزِيزُ} [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام {ٱلْحَكِيمُ} [آل عمران: 6]، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام.
وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى يصور الجنين بصورة الإنسانية على نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينيات، فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية الرجل رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق، والمريد ليستلم لتصرفات ولاية الشيخ؛ وهي بمثابة ملك الأرحام، فافهم جيداً.
ويضبط المريد أحواله ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ، ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة، يلزم منه سقوط النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره، فالله تعالى يتصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها، يحولها من حال إلى حال، وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس، التي منها صدر إلى عالم الأنس يقدم الأربعينيات الأولى، فلما وصل إلى مقامه الأول أيضاً بقدم الأربعنيات كما جاء، ثم خلق الجنين في رحم القلب؛ وهي طفل خليفة الله في أرضه، فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه؛ وهي روح القدس الذي هو متولي إلقائه، كقوله تعالى:
{ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } [غافر: 15].
وقال تعالى:
{ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ } [المجادلة: 22]؛ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة؛ أهبط الروح من أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد، كما قال تعالى: { ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة: 38]، فإذا نفخ في الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله تعالى وتنبه.