التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٣
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٣٤
إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٣٥
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ
٣٦
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٧
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن أهل الاصطفاء للمحبة والولاء بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً} [آل عمران: 33]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خلق العالم على سبعة أنواع مختلفة: من الجمادات، والمعادن، والنبات، والحيوان، والنفوس، والعقول، والآرواح، مظهر لآياته وصفاته ثم اصطفى آدم {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]، وجمع فيه الأنواع المختلفة السبعة لما خصه باختصاص تأمن وهو تشريف إضافة، { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } [الحجر: 29]؛ ليكون مظهر لجميع وجودي صفاته تبارك وتعالى إلى هذا أشار بقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن الله خلق آدم على صورته" أي: خلقه مرآة تظهر ذاته وصفاته فيه؛ لقوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ } [فصلت: 53]، وقال تعالى: { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن خلق آدم فتجلى فيه" ، ويشير في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]، إلى خواص أولاد آدم عليه السلام الذين ثمرات شجرة الإنسانية، كما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، من آلك فقال: "آلي كل مؤمن تقي ونقي" .
قوله تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} [آل عمران: 34]؛ يعني: ورثة النبوة والعلم والدين يأخذ بعضها من بعض بالوراثة الدينية، كقوله تعالى: { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } [مريم: 6]، وقال صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينار أولادهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، والله أعلم" .
واعلم: أن العالم بما فيه كشجرة وثمرتها أهل المعرفة، فهم درة صدفة العالمين وخلاصة الكونين، وزبد اليقين، ولب قشر الوجود قلب شخص الموجود وستر: "فخلقت الخلق؛ لأعرف" {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} [آل عمران: 34] لدعائهم واستدعائهم {عَلِيمٌ} [آل عمران: 34]، بأحوالهم وخصالهم بهم يمطرون وبهم يرزقون.
ثم أخبر عن تحرير بنت عمران لرضاء الرحمن بقوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران: 35]، إشارة في الآية: إن تعلم أن الله تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات حركة، ولحركتها أسراراً لا يعلمها إلا الله، فبعضها يظهر بعضها لتغير فيه وتقيس الباقي عليه، مثل ما رأت حنة طائراً بطعم فرخاً فتحركت لذلك نفسها للولد وهي عجوز، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولداً كما مر ذكره، فانظر ماذا خرج الله من الأسرار عن إطعام ذلك الطائر فرخه، وظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى - عليهما السلام - كقوله:
{ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } [المؤمنون: 50]، فأول الآية منها أن حنة حملت بمريم مع كبر سنها، ثم {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران: 35]، فإن تحريها إياها ما كان إلا بإلهام رباني، قالت: {قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران: 35]، وما قالت فأقبل مني؛ لأن معنى القبول راجع إلى التحرير؛ أي: فاقبل مني تحريراً إياها وأعطني عليه الثواب؛ ومعنى التقبل راجع إلى المحرى؛ أي: تقبلها مني بأن تكفلها وتربيها تربية المحررين، بيانه قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} [آل عمران: 37]؛ أي: تقبل الله مريم أن يربيها، {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ} [آل عمران: 35]، الذي يسمع دعاء المضطرين، وتحبيبهم العلم الذي يعلم ضمير الداعي قبل أن يدعوا به، ويعلم ما المحرر في بطنها ولا تعلم الحامل ما هو، ويعلم ما في بطن المحرر ما أودع من كلمة وروح منه، وهي لا تعلم.
{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ} [آل عمران: 36]؛ أي: أردت أن يكون المولود ذكراً يصلح للتحرير، فكان أنثى على خلاف رؤيتي {أُنْثَىٰ} [آل عمران: 36]، فعاملها الله، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]؛ فعاملها الله {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} [آل عمران: 37]، يعني مريم {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} [آل عمران: 37]؛ يعني: بقبول ذكر، وفيه معنى آخر؛ أي: تقبل الله مريم بدعاء حنة بقولها: {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} [آل عمران: 35]، ورباها تربية التقبل والتكفل، ثم قبلها بقبول حسن؛ يعني: أخرج منها مثل عيسى عليه السلام، ويحتمل أيضاً أن يقال: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً} [آل عمران: 37]؛ أي: أثبت لها نباتاً حسناً؛ يعني: عيسى عليه السلام، دليله قوله تعالى:
{ وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } [نوح: 17]؛ أي: أنبت لكم.
ثم أخبر عن آية أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37]، إشارة في الآية: إن الله تعالى لما أراد أن يخرج عيسى عليه السلام من مريم بلا أب، فمن كمال حكمته جعل تكفل مريم إلى زكريا عليه السلام؛ لئلا يدخل عليها غيره، فيكون أبعد من التهمة عند الخلق، {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} [آل عمران: 37]؛ إظهاراً لكرامتها لديه لتكون بريئة عن التهمة عند زكريا، فيقول لها: {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 37]؛ أي: بأي سبب وطاقة وجدت هذه الكرامة؟ قالت: ليس هذا بسبب من عندي؛ بل هو فضل من عند الله، {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]، بغير سبب من الأسباب، وفيه معنى آخر، وجد عندها رزقاً من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده، الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق، كقوله صلى الله عليه وسلم:
"أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ، قال لي: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 37]، فإن من يبيت عند الله يكون رزقه من عند الله؛ يعني: مما عند الله من فيض ألطافه، وحسن إعطائه {إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 37]، مريم {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]، بما لم يكن في حسابها من ولد عيسى عليه السلام بلا أب، وفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء بلا شجرة، والعلوم اللدنية بلا واسطة، والمعجزات بلا نبوة، نظيره قوله تعالى: { وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } [الطلاق: 2-3].