التفاسير

< >
عرض

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ
٤٠
قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ
٤١
وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ
٤٢
يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ
٤٣
ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
٤٤
إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ
٤٥
وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ
٤٦
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [آل عمران: 40]، الإشارة في الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام {وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من يشاء لمن يشاء فضلاً منه ورحمة، لا استحقاقاً في شيء من الأشياء، كقوله تعالى: { ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ } [الحديد: 21].
{قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً} [آل عمران: 41]، استدل بها على أن لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} [آل عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزاً، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل والنهار، وإقامة الصلاة {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} [آل عمران: 41].
ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ} [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلاً منه ورحمة لا استحقاقاً واستعداداً، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله:
{ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها:
اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من المخلوقات بقوله تعالى:
{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ } [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته.
ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المكونات بقوله:
"لولاك ما خلقت الأفلاك" .
وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر" .
ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [آل عمران: 42]، {ٱصْطَفَـٰكِ} [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه {وَطَهَّرَكِ} [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام" .
{يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي} [آل عمران: 43]، واقتربي {وَٱرْكَعِي} [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43]، البالغين من الرجال درجة الكمال {ذٰلِكَ} [آل عمران: 44]، أحوال {مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ} [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة {نُوحِيهِ إِلَيكَ} [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة.
ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعداً، كقوله تعالى:
"كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلق الخلق؛ لأعرف" ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضاً كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ } [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين:
أحدهما: أنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ} [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
"من عرف نفسه عرف ربه" .
والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: { فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ } [النساء: 171]، وبقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ} [آل عمران: 45]، {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46]، {وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45]، حتى روى مجتهد قال: قالت مريم بنت عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: {وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } [الأحقاف: 15]، {وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.