التفاسير

< >
عرض

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ
٨
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ
١٠
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١١
قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
١٢
-آل عمران

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن طلب الهداية لآية التأويلات بالدراية {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8]، إشارة في التحقيق الآيتين: إن الله تعالى بعد أن ذكر الراسخين في العلم وتذكر أولوا الألباب، ذكر وظيفة حالهم شكر المنعم وحفظاً للنعمة، وألهم لمزيد النعمة بقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8]، هذا الحال لمن هدى إلى صراط مستقيم، {رَبَّنَا} [آل عمران: 8]؛ أي: خالقنا ومربينا وهدينا، {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8]، عن صراطك المستقيم باستيلاء أهوائنا، وغلبات شهواتنا، وظلمات طبائعنا، {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8]، إلى حضرة جلالك ونورت قلوبنا بأنوار جمالك، حتى سمعنا بلب التنزيل، وانصرنا بلب أنصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا لب علوم علمتنا، كما أزغت قلوبنا بعد إذ هديتنا في الميثاق إلى شهود شواهد جمالك، واستماع مقالك وحسن إجابة سؤالك، وجبت علينا من سجال نوالك وفيض فضلك وأفضالك، مجيئنا بشهودنا عن شهودك، ووجودك وبوجودنا عن وجودك، وبتفقدنا عن تفقدك، وغيبتنا بنا عنك بأوصافنا عن أوصافك، وبذواتنا عن ذاتك، {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]، تجذبنا عن لَدُنا إلى لدنك عنا، [وتقربنا] بك بصفاتك عن صفاتنا، وبذاتك عن ذواتنا، وهذا وظيفة الحال لأرباب هذه الأحوال أن لا يسكنوا ولا يقفوا مع حال، وإن يعلموا أن لا نهاية لمواهبه، ولا غاية لمطالب طالبه فيكونوا إلى الأبد طلاباً، كما كان الله تعالى من الأزل إلى الأبد وما باقي قوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 9]، إشارة إلى: إن بعد هذه الدار داراً وهي دار القرار، وإن النعم للإبرار، وإن الجحيم للفجار، وإن مكسب البر والفجور هذه الدار، وإن أجر البر والفاجر {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 9]؛ ولهذا يجمعهم ليوفيهم أجورهم التي كسبوا من الخير والشر بالثواب والعقاب، كقوله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [آل عمران: 25]، فلا تسكنوا عن الطلب، وتجهدوا بالنصب، وتزودوا للمعاد، وتزودوا في التعب، فإن حصول الأرب بقدر رعاية الأدب في الطلب ومقاساة التعب والنصب، وتزودوا للمعاد من زاد التقوى فإنها خير الزاد، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} [آل عمران: 9].
ثم أخبر عن قوم لم يتزودوا، وأزيد الزاد للمعاد ولا يفنى عنهم الأموال والأولاد بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [آل عمران: 10]، إِشارة في تحقيق الآيتين: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: 10]؛ أي: ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات الصفات، نفسانيتهم من جحود الحق وإنكاره وإتباع الهوى إلى الشهوات،
{ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ } [آل عمران: 14]، { وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [آل عمران: 14]؛ وهي الطاغوت التي قال الله تعالى { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ } [البقرة: 257]، { لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } [آل عمران: 116]؛ يعني: من أنوار الله التي حجبوا عنها وشواهد الربوبية، كما قال تعالى: { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } [المطففين: 15]، {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 10]؛ يعني: صفاتهم النفسانية واستيفاء لذاتهم الشهوانية وأفعالهم الجسمانية {وَقُودُ ٱلنَّارِ} [آل عمران: 10]، الفرقة والقطيعة.
واعلم أن النار: نار الله، ونار الجحيم، وأما نار الله: فهي نار القطيعة عن الله، فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله تعالى، كقوله:
{ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ } [الهمزة: 6-7]، وأما نار الجحيم: فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات؛ فهي تحرق قشور الجلود كما قال الله: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً } [النساء: 56]، ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب، فإن عذاب حرقة الجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب؛ كنسيم الحياة وسموم الممات، ففي فؤاد الحب نار جوى أحر نار الجحيم أبردها، {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [آل عمران: 11]؛ يعني: دأب جميع الكفار وواحد من المتقدمين والمتأخرين، فدأب من في عهدك يا محمد {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [آل عمران: 11]، الذين كانوا في عهد موسى، {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [آل عمران:11]، كانوا في عهد إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام.
ثم أخبروا بهم وقال تعالى: {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [آل عمران: 11]؛ يعني: كل قوم من هؤلاء لما ستروا روحانيتهم بأستار ظلمات نفسانيتهم
{ عَمُواْ وَصَمُّواْ } [المائدة: 71]، فما شهدوا شواهد أنوارنا وما كاشفوا بحقائق أسرارنا فحرموا عن شهود آثار آياتنا، وإذا تليت عليهم {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 11]، وطردهم عن القرب وأبعدهم {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [آل عمران: 11]؛ أي: شديد عقاب فراقه وبعده، أليم عذاب الحرمان عن جواره وقربه.
ثم أخبر عن حاصل أمرهم يوم حشرهم بقوله تعالى: {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 12]، إشارة في الآية: إن المبتلي بالكفر مغلوب حكم الأزلي بالشقاوة؛ لقوله:
{ غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } [المؤمنون: 106]، ثم الهدى والنفس والشيطان ولذة الدنيا، فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها، ثم يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه في قعر {جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [آل عمران: 12]، ومعاده وأنه مهده في معاشه.