التفاسير

< >
عرض

ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً
٦
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً
٧
لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً
٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٩
إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ
١٠
هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً
١١
-الأحزاب

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن صلة رحم الأبوة بالنبوة بقوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] أي أحق بهم في توليتهم من صلب النبوة من أنفسهم؛ لأنهم لا يقدرون على توليد أنفسهم في النشأة الثانية، كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه، فالنبي بمنزلة أبيهم {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] يشير إلى أن أمهاتهم قلوبهم، وهنَّ أزواجه ليتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم؛ لتأخذوا من صلب النبي نطفة الولاية في أرحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها من الآفات؛ لئلا تسقطوا بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فإنها تسقط الجنين فيرتدوا على أعقابهم كما لم يؤمنوا به أول مرة.
ثم قال {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} [الأحزاب: 6] يعني بعد أولوية النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين أولوا الأرحام في الدين بعضهم أولى ببعض للتربية بعد النبي صلى الله عليه وسلم أكابرهم من المؤمنين الكاملين أولى بأصاغرهم من الطالبين {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي: في سنة الله وتقديره للتوليد في النشأة الثانية عن النبي صلى الله عليه وسلم {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالنشأة الأخرى {وَٱلْمُهَاجِرِينَ} عما سوى الله {إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ} [الأحزاب: 6] يشير إلى النفس إذا تزكت عن الخلاق الذميمة وتبدلت عداوتها، فصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيواسها ويعمل {مَّعْرُوفاً} برفق من الأفارق {كَانَ ذَلِكَ} المعروف في حق النفس مقداراً {فِي ٱلْكِتَابِ} عند الله {مَسْطُوراً} في أم الكتاب.
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} [الأحزاب: 7] في الأزل وهم في كتم العدم مختفون {وَمِنْكَ} يا محمد أولا بالحبيبية {وَمِن نُّوحٍ} بالدعوة، {وَ} من {إِبْرَاهِيمَ} بالخلة، {وَ} من {مُوسَىٰ} بالمكالمة، {وَ} من {عِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} بالعبدية {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الأحزاب: 7] بالوفاء وبغلظة الميثاق يشير إلى أن غلظنا ميثاقهم بالتأييد والتوفيق للوفاء به.
{لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ} [الأحزاب: 8] في العهد والوفاء {عَن صِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 8] لما صدقوا إظهاراً لصدقهم كما أثنى عليهم
{ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } [الأحزاب: 23] وكان سؤال تشريف لا سؤال تعنيف، وسؤال إيجاب لا سؤال عتاب، والصدق أن لا يكون في أحوالكم شوب، ولا في أعمالكم عيب، ولا في اعتقادكم ريب ومن أمارات الصدق في المعاملة وجود الإخلاص من غير ملاحظة مخلوق، وفي الأحوال تصفيتها من غير مداخلة إعجاب، وفي القول سلامته من المعارض، وفيما بينك وبين الناس التباعد من التلبيس والتدليس، وفيما بينك وبين الله بإدامة التبرؤ عن الحول والقوة بل الخروج عن الوجود المجازي شوقاً إلى الوجود الحقيقي {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ} [الأحزاب: 8] المنكرين على هذه المقامات، المعرضين عن هذه الكرامات {عَذَاباً أَلِيماً} [الأحزاب: 8] من الحسرات والغرامات.
ثم أخبر عن كرمه مع العباد بإعطاء نعمه بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [الأحزاب: 9] يشير إلى أنواع نعمه الظاهرة والباطنة.
أولها: الإيجاد من كتم العدم.
وثانيها: إذ أخرجكم من العدم جعلكم أرواحاً مطهرة إنسانية
{ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين: 4] لا حيواناً أو نباتاً أو جماداً.
وثالثها: يوم الميثاق شرفكم بخطاب
{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172] ثم وفقكم لاستماع خطابه ثم دلكم إلى إصابة جوابه.
ورابعها: أنعم عليكم بالنفخة الخامسة عند بعثك إلى القالب الإنساني؛ لئلا ينزلوا المنزل من المنازل السماوية والكوكبية والجنية والشيطانية والنارية والهوائية والمائية والأرضية والنباتية والحيوانية وغيرها من المنازل إلى أن أنزلكم في المقام الإنسانية.
وخامسها: عجن طينة قالبكم بيده أربعين صباحاً ثم صوركم في الأرحام وسواكم ثم نفخ فيه من روحه.
وسادسها: شرف روحكم بتشريف إضافته إلى نفسه بقوله:
{ مِن رُّوحِي } [ص: 72] وما أعطى هذا التشريف لروح من أرواح الملائكة المقربين.
وسابعها:
{ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً } [النحل: 78] ثم بالإلهامات الربانية علمكم ما يحتاجون إليه من أسباب المعاش.
وثامنها: ألهمكم فجوركم وتقواكم؛ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد للرجوع إلى المعاد.
وتاسعها: أرسل إليكم الأنبياء والرسل ليخرجوكم من الظلمات الخلقية إلى نور الخالقية.
وعاشرها: أنعم عليكم بالإيمان ثم بالإيقان ثم بالإحسان ثم بالعرفان ثم بالعيان ثم بالعين ثم أتاكم من كل ما سألتموه
{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } [إبراهيم: 34] وذكر نعمة استعمالها في عبودية إذا شكر نعمة، وشكر النعمة رؤية النعمة أن يرى نعمة توفيقه لأداء شكره إلى أن نعجز عن أداء شكره، فإن نعمه غير متناهية وشكرك متناه، فرؤية العجز عن أداء الشكر حقيقة الشكر، ومن الشكر بذكر ما سلف من الذي دفع عنده وأنت بصدده من أنواع البلاء والمحن والمصائب والمكائد.
فمن جملة ذلك قوله: {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] به يشير إلى جنود الشياطين وجنود وصفات النفس وجنود الدنيا وزينتها {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} [الأحزاب: 9] من نكبات قهرها {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] من حفظنا وعصمتها {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الأحزاب: 9] من الميل إلى الدنيا وشهواتها بصيراً بدفعها وعلاجها كم من بلاء صرفه عن العبد وهو لم يشعر، وكم من شغل كان بصدده فصده عنه وهو لم يعلم، وكم أمر عوقه والعبد يصبح وهو يعلم أن في تيسيره هلاكه فيمنعه منه رحمة عليه، والعبد يتهمه ويضيق به صدره وبقوله: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} [الأحزاب: 10] يشير إلى الآفات السماوية أو {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} [الأحزاب: 10] من متولدات البشرية إذا أحاط بكم سرداق البلاء وأحدق بكم أحكام القضاء {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} [الأحزاب: 10] من تراكم البلاء وترادف النكبات، وقد ضاق نطاق طاقة البشرية من ضعف الإنسانية لولا أن تداركتكم العناية لأهلكتكم تعاقب النكابة {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} [الأحزاب: 10] وداخلكم كوامن الارتياب وبدا في سويدائكم جولان الشكوك؛ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديداً، ثم أنال عنهم جملتها وهون عليهم شدتها حتى تفرقت عن قلوبهم همومها فجرت ينابيع السكينة عنها.