التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً
١٢٢
لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
١٢٣
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً
١٢٤
-النساء

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عمن خلق للجنان وأنهم أهل الإيمان بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [النساء: 122]، والإشارة فيها وهي إن {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [النساء: 122]؛ يعني: الذين آمنوا واتقوا ولازموا ذكر لا إله إلا الله فتبين لهم أنهم عملوا الصالحات، ويدل عليه قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } [الأحزاب: 70]؛ وهو لا إله إلا الله { يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [الأحزاب: 71]؛ أي: يخلص، فإن إصلاح الأعمال في إخلاصها.
ثم اعلم أن بالإيمان والتقوى، وملازمة الذكر يكون العمل صالحاً، وبالعمل الصالح يصعد الذكر إلى الله تعالى، كما قال تعالى:
{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [فاطر: 10]، فبالذكر والعمل الصالح يجتذب الذاكر عن أنانيته إلى هوية المذكور، كقوله تعالى: { فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } [البقرة: 152]، فيعبر عن أول مرتبة المذكور به بقوله تعالى: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [النساء: 122]، ويعبر عن مراتبها الباقية بقوله تعالى: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } [القمر: 55]، {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} [النساء: 122]، وعده ما قال هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} [النساء: 122]؛ أي: لمن قوله بصدق قوله ويؤمن بوعده، {لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ} [النساء: 123]؛ يعني: بأماني عوام الخلق والذين يذنبون ويطمعون أن يغفر الله لهم، والله تعالى يقول: وإني لغافر لمن تاب وآمن وعمل صالحاً، {وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [النساء: 123]؛ يعني: علما السوء الذين يغرون بالرخاء المذموم، ويقطعون عليهم طريق الطلب والجد والاجتهاد، {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] في الحال بإظهار الذين على مرآة قلبه بقدر الذنب، كما قال صلى الله عليه وسلم "إذا أذنب العبدُ نُكِتَ في قلبه نُكْتَةٌ سوداء فإن تاب صُقِل" ، {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [النساء: 123]؛ يعني: ولا يجد له إلا الله، {وَلِيّاً} [النساء: 123]، يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة بالتوبة، {وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 123] سوى الله بالظفر على النفس الأمارة بالسوء، فيزكيها عن صفاتها وعلى الشيطان فيدفع سره وكيده، {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ} [النساء: 124]أي: الخالصات، {مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} [النساء: 124]، يشير بالذكر إلى القلب، وبالأنثى إلى النفس، {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 124] مخلص في ذلك الأعمال، {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} [النساء: 124]؛ المعنى أن القلب إذا عمل مما وجب عليه من التوجه إلى العالم العلوي، والإعراض عن العالم السفلي، وغض البصر عن سوى الحق يستوجب دخول الجنة، والقربة والوصلة والنفس إذا عملت مما وجب عليها من الانتهاء عن هواها وترك حظوظها، وأداء حقوق الله في العبودية واطمأنت بها تستحق الرجوع إلى ربها والدخول في جنة عالم الأرواح، كما قال تعالى: { يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 27-28]، {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء: 124] فيما قدر الله لهم من الأعمال الصالحات، ولا من الدرجات والقربات، فليس من تمنى نعمة من غير أن يتبعني في خدمة من يتمنى نعمته وإن بينهما بوناً بعيداً من أعلى مراتب القرب إلى أسفل سافلين البعد.