التفاسير

< >
عرض

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ
٩
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٠
وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
١١
وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ
١٢
لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
١٣
وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ
١٤
وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ
١٥
أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ
١٦
-الزخرف

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن فضله مع الكفار بتوفيقهم للإقرار بقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 9] يشير إلى أن جبلة الإنسان معرفة الله مركوزة وذلك؛ لأن الله تعالى أخذ ذرات ذريات بني آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم بخطاب: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172]، فاسمعهم خطابه وعرفهم بربوبيته ووفقهم لإجابته حتى قالوا: بلى، فصار ذلك الإقرار بذر ثمرة إقرارهم بخالقية الله تعالى في هذا العالم الذي هو العزيز، فلعزته لا يهتدي إلى سرادقات عزته إلا من أعزه بجذبات عناية العليم الذي يعلم { حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [الأنعام: 124]، { وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ } [الأنعام: 117] بكمال حكمته، وبقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} [الزخرف: 10] يشير إلى أرض النفس إنه جعلها قراراً للروح {وَجَعَلَ لَكُمْ} [الزخرف: 10]؛ أي: للأرواح {فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الزخرف: 10] إلى حضرة الربوبية إذا جاءتهم في الله كما قال تعالى: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت: 69]، {وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [الزخرف: 11] سماء الروح {مَآءً} [الزخرف: 11] ماء الهداية {بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} [الزخرف: 11]؛ أي: فأحيينا به بلدة القلب الميت {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الزخرف: 11] من ظلمات أرض الوجود بإحياء الأرواح إلى نور الله؛ ليحيا به كما قال: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } [الأنعام: 122]، {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} [الزخرف: 12]؛ أي: أصناف الخلق وأنواع المخلوقات كما قال: { مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } [يس: 36]، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ} [الزخرف: 12]؛ أي: فلك القلوب وأنعام النفوس {مَا تَرْكَبُونَ}.
{لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ} [الزخرف: 13] بتسخيرها لركوبكم {إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} [الزخرف: 13] ولو لم ينعم علينا بتسخيرها {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] مطيعين لتسخيرها، {وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: 14] كما جئت أول مرة كما قال:
{ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } [الأنبياء: 104] فكان بدء خلقنا بإشارة أمركن أخرج أرواحنا من كتم العدم إلى عالم الملكوت، ثم بنفخة الخاصة رددنا أسفل سافلين القالب وهو عالم الملك، ثم بجذبة { ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ } [الفجر: 28] أعادنا على مركب النفوس من عالم الملك إلى ساحل بحر الملكوت، ثم سخر لنا فلك القلوب وسيرنا في بحر الملكوت إلى عالم الربوبية.
وبقوله: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: 15] يشير إلى خصوصية الإنسان بكفران النعمة لله تعالى؛ لأنه عز وجل بعد أن أنعم على الإنسان باستعداد الرجوع إلى الحضرة وهيأ أسبابه للرجوع، جعلوا الملائكة وهم عباده جزء منه بأنهم قالوا هم بنات الله، والبنت تكون جزء من والدها ولهذا قال: {إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} [الزخرف: 15]، {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ} [الزخرف: 16].