التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
١٠١
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ
١٠٢
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ
١٠٣
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ
١٠٤
-المائدة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن كثرة السؤال أحثها تورث الملال بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ} [المائدة: 101]، إشارة أن الله تعالى نهى أهل الإيمان أن يتعلموا علم اللدنية وحقائق الأشياء بطريق السؤال؛ لأنها ليست من علوم القال وإنها من علوم الحال، فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ}، أي: من حقائق الأشياء {إِن تُبْدَ لَكُمْ} [المائدة: 101]، بيانها بطريق القال {تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]؛ إذ لم تهتدوا إلى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المنسوبة بآفات الهوى والوهم والخيال في الشبهات فتهلكوا في أوديتها كما كان طوائف حال الفلاسفة؛ إذا طلبوا علوم حقائق الأشياء بطريق القال والبراهين المعقولة، فما كان منها مندرجة تحت نظر العقل المجردة عن شوائب الوهم والخيال أصابوها المتحذلقة منهم، وهو من يدعي الحذاقة أكثر مما عنده، وما ضاقت منه نطاق العقول عن دركها استزلهم الشيطان عند البحث والنظر عن الصراط المستقيم، وأوقعهم في أودية الشبهات بوادي المهلكات فهلكوا وأهلكوا خلقاً عظيماً بتصانيفهم في العلوم الإلهية، وبعضهم خلطوا العلم الأصول وقرروا شبهاتهم فيما ضلوا عن سواء السبيل، وما علموا أن تعلم علوم - مع الله تعالى، فقد أعلمهم علوم الحقائق بالإرادات لا بالروايات، فقال تعالى { وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [الأنعام: 75]، في حق النبي صلى الله عليه وسلم: { لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ } [طه: 23]، وقال صلى الله عليه وسلم إرثاء الأشياء كما هي، وكما كان حال الأمة مع النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم الكتاب بالقال، والحكمة بالحال بطريق الصحبة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس وأخلاقها، كقوله تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحبة على موائد المتابعة { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } [فصلت: 53]، ثم قال تعالى: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} [المائدة:101]، وإن كان لا يدلكم من السؤال عن حقائق الأشياء، فاسألوا عنها بعد نزول القرآن أي: عن القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم، فأما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن فإنها بيان حقائق الأشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها بعقولهم طلباً للتأويل فإنه { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ } [آل عمران: 7]، وهم الخواص، وأما الخواص فيفهمون عما يشير القرآن إليه من حقائق الأشياء بالنور والإشارات والمتشابهات حالاً يفهِّم غيرهم، كما أشار تعالى بقصة موسى والخضر - عليهما السلام - إلى أن تعلم العلم اللدني إنما يكون بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم وترك الأغراض على الصاحب المعلم لا بالقال والسؤال بقوله تعالى: { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } [الكهف: 66-67]؛ يعني: في المتابعة والتسليم وترك الاعتراض { قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ } [الكهف: 69-70]؛ يعني: أن من شرط المتابعة ترك السؤال عن الأفعال، وغيرها فلما لم يستطع موسى عليه السلام معه صبرا قال - يعني موسى - { إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي } [الكهف: 76]، يشير إلى أن يعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم لا بالقال السؤال، وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة فافهم جيداً.
فلا عاد في الثالثة إلى السؤال، وقال:
{ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } [الكهف: 77-78]، قال: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} [المائدة: 101]؛ أي: عما سألتهم وطلبتم علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} [المائدة: 101] لمن تاب ورجع إلى الله في طلب علوم الحقائق بالقال والسؤال {حَلِيمٌ} [المائدة: 101]، بأن يطلب بالحال يحلم عنهم في أثناء الطلب بالصدر منهم مما ينافي أمر الطلب إلى أن يوفقهم لما يوافق الطلب، قال تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 102]؛ يعني: من مقدمي الفلاسفة قد شرعوا في طلب العلوم الإلهية بالقال ونظر العقل فوقعوا في أودية الشيطان {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} [المائدة: 102]؛ أي: بسبب الشبهات التي وقعوا فيها بتتبع القال والقيل وكثرة السؤال وترك متابعة الأنبياء - عليهم السلام.
ثم أخبر عن اعتراض أهل الافتراء بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ حَامٍ } [المائدة: 103]، إشارة أن الشيطان كما سلط على قوم حتى أغراهم على الابتداع في أحكام الأنعام وترك الاتباع، كذلك سلط على قوم قادر على التصرف في أنعام أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون أن هذه التصرفات في الله، ففي قوله تعالى {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ} إشارة إلى أن من يتصرف في بدنه بما لم يؤمر به كمن يشق أذنه أو ينقبها، ويجعل فيها الخلقة من الحديد أو يثقب صدره أو ذكره، ويجعل عليه الغفل أو يجعل في عنقه الغل ويحلق لحيته مثل ما يفعلون هؤلاء القلندرية، ولا سائبة وهم الذين يدورون في البلاد ومنهم مسيبين، خليعي العذار يرتعون في مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة، وهم يدعون أنهم أهل الحقيقة، قد لعب الشيطان بهم واتخذوا إلههم هواهم، {وَلاَ وَصِيلَةٍ} [المائدة: 103] وهم الذين به يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات، ويتصلون بالأجانب من طريق الأخوة والأبوة كالإباحية والزنادقة، فيغتر به ويظن أنه بلغ مقام الوحدة وأنه محمي عن النقصان بكل حال، ولا تضره مخالفات الشريعة؛ إذ هو بلغ مقام الحقيقة، فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما أمر الله بشيء من ذلك ولا خص لأحد فيه، {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 103]، بترك الشريعة وادعوا الحقيقة {يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} [المائدة: 103]، بمثل هذه الأشياء إنها من الله ولله وفي الله {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103]، إن هذا من الشيطان لا من الرحمن، وذلك أن أكثرهم قد أخذوا هذه الطريقة المضلة بالتقليد من الجهال وأهل الضلال {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} [المائدة: 104]، من الأحكام {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} [المائدة: 104]؛ أي: وإلى متابعته {وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} [المائدة: 104]؛ أي: مشايخنا وأهل صحبتنا الذين أخذوا هذه الطريقة السوء منهم {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} [المائدة: 104]، الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها {لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً} [المائدة: 104]، من الشريعة والطريقة {وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104]، إلى عالم الحقيقة فإنهما أهل الطبيعة وأرباب الخديعة، ولقد شاعت في الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم، وما لهم من دافع ولا مانع ولا وازع على أن الخرق قد اتسع على الرفع.