التفاسير

< >
عرض

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ
٢١
قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ
٢٢
قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
٢٣
قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
٢٤
-المائدة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

كما قال تعالى: {يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 21]، ثم أنذرهم وأوعدهم عليه.
وقال: {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ} [المائدة: 21]، بالامتناع عن الدخول فيها فتجعلوا هذه النعمة على أنفسكم نقمة ودعاء أنبيائكم لكم فيها لعنة والمملكة ذلة {فَتَنْقَلِبُوا} [المائدة: 21]، بشؤم معاملاتكم ونقض معاهداتكم، {خَٰسِرِينَ} [المائدة: 21]، الدنيا والآخرة والمأوى.
فما يفهم الإنذار ولا الاستذكار إذ كانوا أهل البوار حتى قالوا: {يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22]، فمن الفرق بين الأمة وبين بني إسرائيل أن الله تعالى كتب عليهم دخول الأرض المقدسة على الخصوص وما وفقوا لدخولها وجعلوا أذلة لم يدخلوا الأرض المقدسة، وقيل لهذه الأمة:
"جعلت لكم الأرض مسجداً وترابها طهوراً" .
وَ { هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ } [الملك: 15]، وقوله تعالى: { خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } [البقرة: 29]، فشتان بين من خلق له الأرض بما فيها وجعلت له مسجداً وذلولاً وبين من جعل عليه الأرض المقدسة محرمة وجعل لأجلها ذليلاً.
ثم أنعم الله تعالى على رجلين منهم إظهاراً للقدرة بأن يخافوا الله وينصحان لهم بالدخول ليعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وذلك كقوله تعالى: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} [المائدة: 23]، أي: أنعم الله عليهما فصارا من الذين يخافون {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ} [المائدة: 23]، بأمر الله ورسوله واثقين بفضل الله ورحمته {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ} [المائدة: 23]، على طاعة الله فتكونوا من حزب الله {فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} [المائدة: 23]؛ لأن حزب الله هم الغالبون، ولا تنظروا إلى عظم أجسامهم وقوة أجسادهم ولا إلى ضغف أبدانهم {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ} [المائدة: 23]، وقوة إيمانكم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، بالإيمان الحقيقي فلاحظوا الأغيار بعين الحسبان لا بنور الإيمان فتوهوا منهم الحدثان، فداخلهم هواجم الرعب فاصبروا على ترك الأمر ومن طالع الأغيار بنور العرفان لم يختم من أهل الخذلان.
{قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا} [المائدة: 24]، فمن أقصته سوايقٌ التقدير لم تُخَلِّصْه لواحقُ التدبير، تركوا أدب الخطاب فصرحوا بما يوجب العقاب {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فلم يخشوا من الرق ولم يستوحشوا من مجاهرة الضد.