التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
١٤١
وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
١٤٢
ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
١٤٣
وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ
١٤٤
-الأنعام

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر بربوبيته عن هويته، بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ} [الأنعام: 141]، إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنعام: 144]، الإشارة فيها: إن الله تعالى عرَّف ذاته بصفاته، وقال: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ}؛ بساتين في الظاهر كما مرَّ ذكره في المعاني، وبساتين في القلوب، مغروسات وغير مغروسات، كما هي قراءة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي الله عنه - فالمغروسات: لمغرسة الله تعالى في أرض القلوب من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتعلق بصفات الحق تعالى، كما قال جل جلاله: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ } [إبراهيم: 24]، وغير المغروسات: هي أشجار من صفات الروحانية، التي جبلت القلوب عليها مثل: السخاء والحياء والوفاء والمروة والفتوة والشفقة والعفة والحلم والعلم والعقل والشجاعة والقناعة وأمثالها، فإن بساتين القلوب بها موفقة، وشموس الأسرار منها مشرقة، وأنهار المعارف فيها زاخرة، وأزهار الشواهد عنها زاهرة.
{وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ} [الأنعام: 141]، يشير إلى: نخل الإيمان، وزرع للأعمال الصالحة، وزيتون الأخلاق الحميدة، {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} [الأنعام: 141]؛ يعني: انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والأخلاق والإخلاص بالشواهد، والأحوال بالدَّعاوي، والنيل قبل الإثمار، {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، حقه دعوة الخلق بالحكمة والموعظة إلى الحق وتربيتهم بالتسليك إليه، ويشير بيوم الحصاد: إلى أوآن بلوغ سلوك السالك مبلغ الرجال البالغين، عند إدراكه ثمرة الكمال للواصلين، دون السالك الذي يعد متردد بين المنازل والمراحل، فإن اشتغل بالدعوة ينقطع عن الوصول والوصال، والبلوغ إلى الكمال، {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} [الأنعام: 141]، والإسراف عند القوم: الشروع في الكلام قبل وقته والحرص على الدعوة، {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، الموصوفين بهذه الصفات الممكورين المنكورين {وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} [الأنعام: 142]، يشير بها: إلى أن الصفات الحيوانية التي هي مركزة في الإنسان، منها: ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها: ما هو مستعد للأكل والشرب لعلاج القالب في قوام البشرية وقوام الإنسانية.
{كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} [الأنعام: 142]، فالرزق لا يتخصص بالمأكولات فحسب، بل هو شائع في جميع ما يحصل به الانتفاع، فالظاهر رزق: وهو النعم، والباطن رزق: وهو الكرم، فرزق القلب: هو التحقيق من حيث البرهان، ورزق السر: هو شهود العرفان بلحظة العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} [الأنعام: 142]، في ترك الانتفاع ببعض هذه الأرزاق، ومبالغة الانتفاع ببعضها، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الأنعام: 142]، يخرجكم بالتفريط والإفراط عند حد الاعتدال.
ثم أشار إلى: تلك الصفات المذكورة، وأربعة منها بمثابة الحيوانية، وشرحها بقوله تعالى: {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} [الأنعام: 143]، أي: من ثمانية صفات؛ أربعة منها بمثابة الأثاث، يتولد من كل ذكر أو أنثى، منها صفات أخرى ليست واحدة منها موصوفة في محلها، أو محرمة، بل جميعها حميدة مندوب إليها في محلها، إذا كانت محروزة عن طرف الإفراط والتفريط.
ومنها ما أشار إليه، بقوله تعالى: {مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ} [الأنعام: 143]، يعني: بهما الذكر والأنثى، {وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} [الأنعام: 143]، {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ}، والضأن والمعز جنس واحد في الفرشية، كما أن الإبل والبقر جنس واحد في الحمولة، فيشير: بالضأن والمعز إلى الصفات البهيمية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكور؛ وهما: صفة شهوة البطن، وشهوة الفرج، واثنين منهما بمثابة الأنثى؛ وهي: صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها، والتسليم عند تحمل الأذى وإصابة الخير منها، ما أشار إليها، بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ} [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، {وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ} [الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، والإبل والبقر من جنس واحد، أراد في الحمولة، فيشير: بالإبل والبقر إلى الصفات الحيوانية، وهي أربعة: اثنان منها بمثابة الذكر؛ وهما: صفتا الظلومية والجهولية، واثنان منها بمثابة الأنثى؛ وهما: الحمولية والاستسلام، فهذه الصفات صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها أشفقن منها، وهي أيضاً حملة عرش القلب، كما أن الملائكة الذين يحملون فوقهم عرش ربك ثمانية، فافهم جيداً.
ثم قال تعالى: {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ} [الأنعام: 144]؛ يعني: من بعد هذه الصفات {حَرَّمَ} [الأنعام: 144]، أي: أمر الله فيها، ومحوها وترك استعمالها، كما هو مذهب الفلاسفة في نفي الصفات الحيوانية والبهيمية، {أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ} فما مر ذكرها {أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا} [الأنعام: 144]، يعني: المتولدة من هذه الصفات الثمانية، عند استعمالها على قانون الشريعة ودعائم دقائق الطريقة في تزكيتها وتثبيتها على صراط مستقيم الاعتدال، {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} [الأنعام: 143]، معقول، أو منقول، أو منظور، أو مشاهد مكشوف، {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} [الأنعام: 143]، أيها المتفلسفة الظَّالُّون عن متابعة الأنبياء والأولياء والمرسلين.
ثم قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [الأنعام: 144]، أي: من الذين يدعون الحكمة، ويقولون: قد أغنانا الله تعالى عن متابعة الأنبياء، والأنبياء حكم، ونحن أيضاً حكماً، {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ} [الأنعام: 144]، بهذه الشبهة وغيرها من الشبهات، {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 144]، أي: حكمة أتاهم الله من فضله، كما أتاها أنبياءه وأولياءه، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنعام: 144]، إلى طريق السداد وسبيل الرشاد، وهم في الضلالة دائمون، وعلى ظلم الإضلال قائمون.