التفاسير

< >
عرض

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ
١٧
وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
١٨
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
١٩
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٢٠
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٢١
-الأنعام

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن ضرر الشرك وخير التوحيد أنهما إليه وبه بقوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 17]، الآيتان والإشارة فيهما أن تعلم أن المقدر هو المدبر، ولا ينجيك من البلاء إلا من يعنيك في العناء، وإن تعلم أن دائرة أزليته متصلة بأبديته، وإن كل نقطة من الدائرة تصلح أن تكون مبدأ الدائرة وأولها، ومنتهى الدائرة وآخرها، فكل آن من آن أزليته وأبديته يصلح أن يكون أزلاً وأبداً، فبهذا يتحقق قوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بقهر من الإبعاد ويبتليك بالإشراك والإضلال في البداية من حرمان النور المرشش على الأرواح.
{فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 17]، في النهاية {وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بلطف من إصابة النور المرشش في البداية والنهاية، أو فيما بينهما ويهديك إلى الصراط المستقيم الذي هو صراط الله، {فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} [الأنعام: 17]، أزلاً وأبداً.
{وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] في الأزل، فبالقهر إخرجهم من مكامن العدم إلا أنه سبحانه وتعالى يقهر هذه الحالة ويبدل العدم بالوجود، وقد عم قهره جميع عباده، فقهر الكفار بموت القلوب وحياة النفوس إذ أخطأهم النور المرشش على الأرواح في بدء الخلقة، فضلوا في ظلمات الطبيعة وما اهتدوا إلى نور الشريعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة؛ فأخرجهم عن ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين في بلوغات الاشتياق، فأسنها بلطف مشاهدته وقهر أرواح الصديقين بسطوات تجلي صفات جماله، وقهر أسرار الواصلين بسطوات بها صفات جلاله، وبالجملة لا ترى شيئاً سواه، إلا وهو مقهور تحت أعلام عزته وذليل في ميادين صمديته {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} [الأنعام: 18]، فيما يقهر فلا يخلو عن حكمته بالعز {ٱلْخَبِيرُ} [الأنعام: 18]، بما يصلح للطعن وقهره، فالقهر بما قهره أولى، واللطف بما لطفه به أخرى.
ثم أخبر عن أكبر الشهادة لأهل السعادة بقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ} [الأنعام: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى أراد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عقول مشركي أهل مكة بطريق السؤال عنهم في معرفة الله تعالى وجهلهم به، فأخبرهم بالسؤال، وقال: قل أي شيء أكبر شهادة، فمن كان التوفيق رفيقه يعلم أن شهادة الله أكبر من شهادة الخلق، وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها، والحق سبحانه هو الذي يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء؛ لا سيما بحقيقة وحدانيته فيؤمن بالله وحده ولا يشرك به أحداً، ومن أوبقه الخذلان وعوقه الخسران يعرف الله ويقول: هو أكبر شهادة أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم قل الله قل هو الله الذي أكبر شهادة من كل شيء وهو {شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 19]، لعلهم ينتهون، ويعرفون الله بتعريفه إياهم ويؤمنون به.
ثم قال {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} [الأنعام: 19] أي: قل يا محمد وأوحي إلى هذا القرآن وهو معجز من أعظم المعجزات وهو الجوامع الكلم التي أويتها {لأُنذِرَكُمْ بِهِ} [الأنعام: 19]، وأنبئكم بآياته وحقائقه وإعجازه لما فيه من أخبار الأمم السالفة، ولما فيه من الأعلام لما سيكون فكان مثل ما قال:
{ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } [المائدة: 67] أي: من أن يقتلوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً منهم.
وقال تعالى:
{ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ } [التوبة: 33]، فأظهر الله تعالى دين الإسلام على سائر الأديان بالحجة القاطعة وغلبة المسلمين على أكثر أقطار الأرض، وقال تعالى في اليهود وكانوا في وقت مبعثه أعز قوم وأمنعهم: { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ } [البقرة: 61]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة، وأتى في القرآن بما كان وبما يكون وأوتي به مؤلفاً تأليفاً لم يقدر أحد من العرب أن يأتي بسورة مثله، وهم في الوقت الذي قيل لهم: ائتوا بسورة خطباء بلغاء شعراء لم يكن عندهم شيء إلا وجد من الكلام المنثور والموزون، فعجزوا عن ذلك فهذا كله حجة الله على من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19]، بلغت نبوته ودعوته في حال حياته وبعد وفاته، وفيه إشارة أخرى: وهي لا تدرككم به ومن بلغه القرآن أعني وقف على حقائقه أيضاً ينذركم به متابعة لي، ويقول: بعد وفاتي بظهور ما أخبر القرآن بظهوره بعدي مع اليهود والنصارى وسائر المشركين {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ} [الأنعام: 19]، بعد ظهور الإسلام على الأديان كلها، وبعد أن بلغ ملك هذه الأمة من الشرق إلى الغرب.
كما أخبر صلى الله عليه وسلم قال:
"زويت لي الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِي لي مِنْهَا" ، فأي دليل أقوى وأظهر من هذا، كما قيل: إذا طلع الصباح استغني عن المصباح، ثم قال تعالى: {قُل لاَّ أَشْهَدُ} [الأنعام: 19]؛ يعني: فإن أصمهم الله وأعمى أبصارهم حتى لا ينتبهوا عن نومه الغفلات ولا يسمع هذه التقريرات، ولا يبصروا هذه المشاهدات والمعاينات، وهم يشهدون آلهة أخرى في الظواهر من الأوثان، وفي الباطن من الهوى والدنيا ويعبد بها من دون الله {قُلْ} [الأنعام: 19]، أنت يا محمد لا أشهد ما لا أشهد ما تشهدون لأني أشاهد من شهود الحق ما لا تشاهدون {إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [الأنعام: 19]، وقد شاهدت وحدانيته بوحدته {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19]، من الاثنينية التي أوبقتكم من الشرك.
ثم أخبر عن أهل المعرفة وذكر أهل النكرة بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} [الأنعام: 20]، إلى قوله:
{ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [الأنعام: 24]، الإشارة فيها أن الله تعالى ميز أهل المعرفة من أهل النكرة، إذ قال بعد قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19].
{ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} [الأنعام: 20] أي: فهمت قلوبهم حقائق الكتاب حتى تنورت بأنوارها فهم من ذلك يعرفونه؛ أي: يعرفون الله أنه إله واحد لا شريك له، ويجوز أن الهاء في قوله: يعرفونه عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نور كقوله تعالى:
{ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } [المائدة: 15]، فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور لا يدرك ولا يعرف إلا بالنور، فإن الكفار من أهل الكتاب فلما كانوا أصحاب الظلمة ما عرفوا الله ولا رسوله، كقوله تعالى: { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } [البقرة: 89]، وفي قوله تعالى: { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } [البقرة: 164]، إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه تبارك وتعالى، وهو إله واحد لا شريك له ولكن {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: 20]، بإفساد استعداد فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قبول نور الإيمان أفسدوه بانهماكهم في الشهوات الحيوانية ومتابعة الهوى {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20]، بأن الله إله واحد؛ لأنهم من نور الإيمان بمعزل.
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [الأنعام: 21]، بأن يفسد استعداده الفطري فيضع الآلهة من الهوى والدنيا موضع إله واحد {أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ} [الأنعام: 21]، إذ يراها فلا يعرفها من عمى القلب {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الأنعام: 21]، من عمائهم؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.