التفاسير

< >
عرض

بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
٢٨
وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
٢٩
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٣٠
قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ
٣١
وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٣٢
-الأنعام

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

فأخبر الله أنه لا ينفعهم التمني بعد فوات الفرصة وإفساد الاستعداد، وقال تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} [الأنعام: 28]؛ أي: ظهر لهم الشقاوة المتمكنة التي كتب لهم وكانوا يسترون آثارها في عالم الصورة بلباس البشرية، ويسترونها بالتكليف من قبل تجرؤهم عن كسوة الصورة {وَلَوْ رُدُّواْ} [الأنعام: 28]، إلى عالم الصورة {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ} [الأنعام: 28]؛ أي: إلا ما نهوا {عَنْهُ} [الأنعام: 28]، من اتباع الهوى واتخاذه إلهاً مرة أخرى لفاسد الاستعداد وردوا إلى الاستعداد الفطري الذين جلبوا عليه يستعملونه مرة أخرى في الأعمال والأخلاق التي هي أسباب تحصيل الشقاوة {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28]، فيما يدعون لأنهم خلقوا مستعدين للكذب لا للصدق { سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } [الفتح: 23]، {وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} [الأنعام: 29]، نعيش فيها ثم نموت {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29]، بعد أن متنا وذلك لأنهم مجبولون على إنكار البعث وتكذيب الرسل، وأنهم قد كانوا في عالم الأرواح مشاهدين المطاف الحق ومخاطبي قوله: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [الأعراف: 172]، ومجيبي { بَلَىٰ } [الأعراف: 172]، فلما بعثوا إلى عالم الصورة وحجبوا بلباس البشرية فنسوا تلك الأحوال والأقوال، ولم يسمعوا عن الأنبياء حين ذكروا بتلك الأيام كما قال تعالى: وذكرهم بأيام الله فما نفعتهم الذكرى، إذا طبعوا كافرين وقال تعالى: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الذاريات: 55]، فكذلك لو ردوا إلى عالم الصورة لنسوا ما شاهدوا من الأحوال ولعادوا إلى ما كانوا عليه من الإنكار دون الإقرار.
ثم أخبر عن خسران أهل الخسارات بقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 30]، إلى قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32]، الإشارة فيها أن القيامة يوم ينكشف فيه الأسرار وتنتهك فيه الأستار، فكم من محلل بثوب تقوية حكم له مقارنوه بأنه زاهد في دنياه، راغب في عقباه، محب طولاه، مفارق لهواه، كشف الأمر عما توهموه فافتضح عندهم بغير ما ظنوه، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم غداً؛ أي: وقفوا على ربوبيته عند ظهورها بالقهر ولو وقفوا على الربوبية في الدنيا لوقفوا عند ظهورها باللطف، فمن خفي عليه الربوبية؛ فلغلبة القهر، ومن ظهر له به الربوبية اليوم؛ فغلبة اللطف بلسان القهر {قَالَ} [الأنعام: 30]، لأهله {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} [الأنعام: 30]، قهر الربوبية {قَالُواْ} [الأنعام: 30]، بلسان ذوق القهر {بَلَىٰ وَرَبِّنَا} [الأنعام: 30]، الذي أذقنا ألم قهر الربوبية {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ} [الأنعام: 30]؛ أي فذوقوا ألم عذاب البعد عند ظهور القهر فإنكم كنتم معذبين به في الدنيا، ولكن ما كنتم تذوقون ألم عذابه كالذي يأكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه ناراً، ولكن لا يذوق ألمها يوم القيامة قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنعام: 30]؛ يعني: بسبب الحجاب الذي كنتم بسببه تكفرون في الدنيا تذوقون ألم عذاب البعد في الآخرة {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} [الأنعام: 31]؛ يعني: أفسدوا استعداد الروحانية الذي كانوا به ملاقي ربهم يوم الميثاق فمن فسادهم كذبوا في الدنيا بلقاء الله وهو الوصول إلى الله في الدنيا والرجوع إليه في الآخرة، فخسروا بسبب التكذيب سعادة الدارين لا من الجاه والمال والمقام والحال بل من الوصول كما قيل شعر:

لعمري لئن أزرفت دمعي فإنه لفرقة من أفنيت في ذكره سرى

{حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً} [الأنعام: 31]، وهي إشارة إلى الساعة التي تجذب العبد من أوصاف البشرية بجذبات المحبة بها فجأة وهي قيمة أخرى؛ لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض بنور ربها فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق ويتأسف على تضييعها، وتضييع ما فات عنه من صيد الوصال وفيض غيره فيتحسر ويقول كما قيل شعر:

أَيُّها القانِصُ ما أَحــ ــسَنتَ صَيدَ الظَبَياتِ
فاتَكَ السِربُ وما زُو وِدتَ غَيرَ الحَسَراتِ

{قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا} [الأنعام: 31]، ضيعنا العمر في عنوان الشباب { فِيهَا} [الأنعام: 31]؛ أي: في تحصيل المرام فصرنا، وقد حصلنا من الحجب أسباب البعد ما يشق علينا السلوك مع حملها {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} [الأنعام: 31]، أثقال التعلقات الزاهدة {عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: 31]؛ أي: ظهور وجودهم؛ فإن الوجود على السالك نقل مانع عن السلوك فكيف أزيد عليه {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31]، على الوجود وحمله {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ} [الأنعام: 32]؛ يعني: الحياة التي تكون للتمتعات الدنيوية النفسانية {إِلاَّ لَعِبٌ} [الأنعام: 32]، الصبيان {وَلَهْوٌ} [الأنعام: 32]، أهل العصيان زواله سريعاً ويبقى ضرره منيعاً؛ لأنه يذوب في الحجب {وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} [الأنعام: 32]، وهي السير من البشرية إلى الروحانية بترك الشهوات والإعراض عن غير الحق، والإقبال إلى الله {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 32]، عما سوى الله بالله { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32]، أن الله خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال تعالى: { وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } [طه: 41].