التفاسير

< >
عرض

وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ
٥٣
وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥٤
وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ
٥٥
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ
٥٦
قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ
٥٧
قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ
٥٨
-الأنعام

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم قال تعالى {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الأنعام: 53]؛ يعني: الفاضل بالمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول، فإن لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل والناصر المفضول فقد سعى في نيل الفضل والمفضول الصابر يساوي الفاضل الشاكر، كما كان سليمان عليه السلام في الشكر مع أيوب عليه السلام في الصبر، فإن سليمان مع كثرة سورة أعماله في العبودية كان أيوب عليه السلام عليه مع عجزه عن صورة أعمال العبودية مساوياً في مقام نعم العبدية لسليمان عليه السلام فقال تعالى: لكل واحد منهما { نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } [ص: 30]، ففتنته في المفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه في فضله، وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخط عليه في منع حقه عنه، فإنه انقطع عن الحق بالخلق إذا رأى المنع والعطاء من الخلق وهو المعطي والمانع لا غيره، ومنها إقراري الفاضل مستحقاً للفضل، كما قال تعالى: {لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} [الأنعام: 53]؛ يعني: خصهم بالفضل، فقال تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ} [الأنعام: 53]؛ أي: المستحقين لنعمة فضله الذين يشكرون على نعماته، فكل نعمة من النعم الظاهرة والباطنة سبغ الله تعالى على عبده، فإن وفقه للشكر نعمة عليه وإلا يكون نعمة عليه، والله أعلم.
ثم أخبر عن فضله مع أهل الفضل بقوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 54]، الآيتين، والإشارة فيهما أن الله تعالى من كمال فضله على الفقراء أحلهم محل الأكابر والملوك في الدنيا والآخرة بتقديم السلام عليهم، فأما في الدنيا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ} يعني: كن مبتدأ بالسلام على أن السلام على الجائي والآتي إلا الأكابر والملوك تعظيم بتقديم السلام عليهم في كل حال، وأما في الآخرة فيسلم عليهم الملائكة عند دخول الجنة كقوله تعالى:
{ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [الزمر: 73]، والله تبارك وتعالى يبتدئ { سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } [يس: 58]، وفي قوله: {سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ} يشير إلى السلام الذي سلم الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؛ إذ قال له: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال في قبول السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ، فكأنه قال له حين سألوه طرد الفقراء { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } [الأنعام: 52]، فإنهم من عبادنا الصالحين فإذا جاءك بلغ إليهم سلامنا كما قبلت منا، فالسلام كان من الله تعالى إليهم، وإن كان بالنبي صلى الله عليه وسلم سلم عليهم ومعنى السلام من الله تعالى هو سلامهم من ظلمة الخلقية بإصابة رشاشة نور القدر حين رش عليهم من نوره؛ إذ خلق الخلق في ظلمة، وإنما رش عليهم من نوره عند خلق الأرواح لأنه {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54]، في الأزل وإنما كتب لهم الرحمة على نفسه وهي ذاته تبارك وتعالى؛ لأنهم كانوا من الذين { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54]، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من الرحمة بالوصول إلى الذات.
كما خصَّ الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى:
{ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً } [الكهف: 65]، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال تعالى في حديث رباني للجنة: "أنتِ رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء" فيرحم بجنته من يشاء من عباده {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ} [الأنعام: 54]، يشير بقوله: {مِنكُمْ} إلى أن عامل السوء صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم: "فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل" .
وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [الأحزاب: 72]، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما قال تعالى: { وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ } [النساء: 18]، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه {ثُمَّ تَابَ} [الأنعام: 54]؛ لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى: { وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ } [الأحزاب: 73]؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير {مِن بَعْدِهِ} [الأنعام: 54]، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء {وَأَصْلَحَ} [الأنعام: 54]، الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 54]، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم جيداً.
ثم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} [الأنعام: 55]؛ أي: كما بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55]؛ أي: طريقهم إلى الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته.
ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الأنعام: 56]، إلى قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 58]، الإشارة فيها أن {قُلْ} إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و{إِنِّي نُهِيتُ} في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله:
{ وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } [يس: 61]، وبقوله: { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } [الحجر: 99]، وبقوله: { وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ } [الأحزاب: 2]، فـ { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } [الكافرون: 2]، {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} [الأنعام: 56]، فأكون {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً} [الأنعام: 56]، بإخطاء النور المرشش "فإنه من أخطأه فقد ضل" {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 56]، الذين أحياهم النور فقد اهتدوا {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} [الأنعام: 57]، أي على نور من ربي يدل عليه قوله تعالى: { أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } [الزمر: 22]، وقد قال لي { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [الشرح: 1]؛ أي: بإصابة ذلك النور المرشش من ربي {وَكَذَّبْتُم بِهِ} [الأنعام: 57]؛ أي: بذلك النور؛ يعني: أخطأكم فكذبتم به وبالذي رشه {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} [الأنعام: 57]، من عبادة ما تعبدون من دون الله واتباع أهوائكم؛ لأن ذلك من خاصية ظلمة الخلقية، وذلك ليس عندي إذ جعلني الله نوراً {إِنِ ٱلْحُكْمُ} [الأنعام: 57]، من الأزل إلى الأبد {إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ} [الأنعام: 57]؛ يعني: لمن يقضي له إصابة النور في الأزل، ولمن يقضي أخطأه {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ} [الأنعام: 57]، حين فصل بين الأرواح عند رش النور بإصابة البعض دون البعض {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} [الأنعام: 58]، من عبودية الغير واتباع الهوى {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 58]؛ يعني: أمر القتال والخصومات واستراحت من غاية ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، ولمن {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ} [الأنعام: 58]، الذين يضعون عبادة الله في غير موضعها، وهم الذين أخطأهم بذلك النور المرشش.