التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ
١٢٧
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
١٢٨
قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
١٢٩
وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
١٣٠
فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
١٣١
-الأعراف

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ} [الأعراف: 127] من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس، {أَتَذَرُ مُوسَىٰ} [الأعراف: 127] الروح، {وَقَوْمَهُ} [الأعراف: 127] من القلب والسر والعقل، {لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 127] أرض البشرية، {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] من الدنيا والشيطان والطبع، ألاَّ تعبد، {قَالَ} [الأعراف: 127] فرعون النفس، {سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ} [الأعراف: 127] وأبناء صفات الروح والقلب والنفس أعمالها الصالحة؛ أي: نبطل أعمالهم بالرياء والعجب.
{وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ} [الأعراف: 127]؛ أي: الصفات التي تتولدت منها الأعمال، {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127] بالمكر والخديعة والحيلة، {قَالَ مُوسَىٰ} [الأعراف: 128] الروح، {لِقَوْمِهِ} [الأعراف: 128] وهم السر والقلب والعقل، {ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ} [الأعراف: 128] على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الجن، {إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ} [الأعراف: 128]؛ أي: أرض البشرية، {يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [الأعراف: 128] أرض البشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فيتصف بصفاتها {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]؛ يعني: لما فيه من الخير والسعادة للأتقياء والسعداء منهم، {قَالُوۤاْ} [الأعراف: 129]؛ يعني: قوم الروح له.
{أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: 129]؛ أي: من قبل أن تأتينا الواردات الروحيات قبل البلوغ كما نتأذى من أوصاف البشرية، {قَالَ} [الأعراف: 129]؛ يعني: الروح، {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} [الأعراف: 129] النفس وصفاتها بالواردات الربانية ويدفع أذيتها عنكم، فيه يشير إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بدَّ في ذلك من تجلي صفات الربوبية، {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ} [الأعراف: 129]؛ يعني: إذا تجلى الرب بصفة من صفاته لا يبقى، {فِي ٱلأَرْضِ} [الأعراف: 129] أرض البشرية من صفات النفس إلا ويبدلها بصفات الروح والقلب ويستخلفها في الأرض، {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] في إقامة العبودية وأداء شكر نعم الربوبية.
ثم أخبر عما اختبر به آل فرعون بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} [الأعراف: 130] إلى قوله:
{ وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ } [الأعراف: 136] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130] الآية دلالة على أن المحن والشدائد والمصيبات موجبات الانتباه والاعتبار ولكن لأهل السعادة وأولي الأبصار، فأما أهل الشقاوة فلو شدَّد عليهم وطأة القدرة وضاعف عليهم أسباب النعمة، فلا الوطأة أصلحتهم شِدَّتُها، ولا النعمة نبهتهم كثرتها، لا بل إنْ مَسَّهم يُسْرٌ لاحظوه بعين الاستحقاق، {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} وإن منهم عُسر حملوه على التطير كما قال تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ} [الأعراف: 131] الكفور لا يرى فضل المنعم فيلاحظ الإنسان بعين الاستحقاق، ثم إذا اتصل به شيء مما يكره تجنَّى وحل الأمر على ما كان يتمنى كما قال:

ملَّ الوصال وقال كان وكان وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعة

{أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] هو الواحد المنفرد بالإيجاد لكن بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود الحق معدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة.