التفاسير

< >
عرض

إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٤٩
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ
٥٠
ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ
٥١
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٥٢
ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٥٣
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ
٥٤
-الأنفال

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن مرض قلوب الشقاوة وسلامة قلوب أهل الوفاق بقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} [الأنفال: 49] إلى قوله: {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} [الأنفال: 54] الإشارة فيه: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ومرض القلب على نوعين: نوع منه الشك في الإيمان والدين وحقيقته فذلك مرض قلوب الكفار والمنافقينن، والثاني: ميلها للدنيا وشهواتها ملاحظة الحظوظ النفسانية وهو مرض قلوب المسلمين، والإشارة فيه: أن المرض كما يكون في قلوب الكفار والمنافقين بقدر كفرهم ونفاقهم وبقية ظلمات الكفر يكون في قلوب المسلمين بقدر معاصيهم من الأوصاف الذميمة الحيوانية، فمعالجة مرض قلوب الكفار والمنافقين بالإيمان والتصديق واليقين، ومعالجة مرض قلوب المسلمين بترك الدنيا وشهواتها وترك الحظوظ النفسانية، فإن ماتوا في مرضهم فهم من أهل النجاة من النار بعد العذاب وشفاعة الأنبياء، وربما يؤدي مرضهم بترك المعالجة والاحتمال إلى الهلاك وهو الكفر كما كان حال بعض المسلمين من الذين قالوا: غر هؤلاء دينهم، فلمَّا تركوا العلاج وانقطعوا عن الطبيب وهو النبي صلى الله عليه وسلم وما اجتمعوا من الغداء والمخالف وهو قولهم: {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} [الأنفال: 49] هلكوا مع الهالكين ومن مرض قلوبهم فاعلموا أن {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} [الأعراف: 49] منيع شر الأعداء من المتوكلين عليه: {حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] بنصرة المقللين على المكثرين، {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنفال: 50] أي: الذين قالوا: غر هؤلاء دينهم، وكفروا باستحقاقهم بالدين، وأهل الدين {ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} [الأنفال: 50] يعني: إذا يقلبون وجوههم عن الإيمان إلى الكفر، {وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50] عن الكفر إلى الإيمان، ويقولون يوم القيامة {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [الأنفال: 50] والندم على ما فعلوا وارتدوا، {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [الأنفال: 51] من الارتداد والكفر، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51] بأن يجازي أهل الأيمان بجهنم وعذابها، وإنما يجازي أهل الكفر والنفاق والارتداد بظلمهم على أنفسهم.
{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 52] أي: بمعجزات الأنبياء، {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} [الأنفال: 52] أي: جازاهم الله بقدر ذنوبهم، {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ} [الأنفال: 52] في المجازات إظهاراً للعزة والعظم، {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 52] لو يعاقبهم على قدر كماليته، فإن غير منتاه، وإنما يعاقبهم على قدر ذنوبهم {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ} [الأنفال: 53] أي: يكن مبدلاً أحسن تقويم واستعداد عطائهم بضده، {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ} [الأنفال: 53] بالكفر والتكذيب وسوء العمل، {مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] من نعمة الاستعدادات الحسنة، {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} [الأنفال: 53] لمن دعاه إلى قهره بسوء أعماله ولسان حاله، {عَلِيمٌ} [الأنفال: 53] بما يستحقون في المجازاة، وبقدر استحقاقهم العذاب فيجازيهم به، {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [الأنفال: 54] إذا غيروا ما بأنفسهم من نعمة حسن الاستعداد بأن {كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 54] من معجزات الأنبياء والكتب المنزلة عليهم، فلمَّا غيروا ما بأنفسهم من النعمة غيرنا نعمة حسن الاستعداد الفطري.
{فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [الأنفال: 54] أي: أفسدنا استعدادهم بشؤم معاملاتهم السيئة فهلكوا، {وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ} [الأنفال: 54] يعني: فرعون وقومه أغرقناهم في بحر الهلاك لفساد استعدادهم بالكلية، فاختصوا بالاستغراق في بحر الهلاك عن غيرهم ادعاء فرعون بالربوبية وإقرار قومه وتصديقهم إياه بها، وهذا غاية فساد جوهر الروحانية باستيلاء الصفات النفسانية، ثم قال تعالى: {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} [الأنفال: 54] يعني: كل من كفر بالله وكذب بآياته كانوا ظالمي أنفسهم؛ لاستعدادهم أن يبلغوا في الظلم والكفر وما بلغ فرعون وقومه.