التفاسير

< >
عرض

وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٥
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٠٦
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
١٠٧
لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ
١٠٨
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
١٠٩
لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١١٠
-التوبة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن ظهور الأحوال بصدور الأعمال بقوله تعالى: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] يشير إلى أن عمل المحسن يخلص إلى السماوات بقدر قوة صدقة وإخلاصه، فالله تعالى يراه بنور ألوهيته، وروح الرسول صلى الله عليه وسلم يراه بنور نبوته، وأرواح المؤمنين بنور إيمانهم، فاستعلاء ذلك النور وصفاؤه وضوؤه يكون على قدر علو همة المحسن وخلوص نيته وصفاء طويته، وإن لعمل المسيء ظلمة تصعد إلى السماوات بقدر قوة عقليته وخباثة نفسه، فإنه تعالى يراها وروح رسوله وأرواح المؤمنين، {وَسَتُرَدُّونَ} [التوبة: 105] بأقدام أعمالكم.
{إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} [التوبة: 105] أي: إلى الله الذي هو عالم بما غاب عنكم وغبتم عنه، فأمَّا ما غاب عنكم فهو نتائج أعمالكم من الخير والشر وجزاؤها فإنها إن لم تغب عنكم زدتم في الخير وما عملتم شراً، وأمَّا ما غبتم عنه فهو تقدير الأزل والحكمة فيما جرى به القلم من أعمال الخير والشر وعالم بما تشاهدون بالعيون والقلوب في الملك والملكوت، {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] فيجزيكم بمكافآت أعمالكم نتائج الخير والشر الذي قد غاب عنكم حين مباشرة أعمالكم الخير بالخير والشر بالشر فتعلمون ما كنتم تعملون.
ثم أخبر عن الموقوفين لقضائه وقدره لقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} [التوبة: 106] يشير إلى الحكمة الأزلية التي اقتضت إقدام بعض النفوس على الذنوب وتأخير توبتهم وهم مترددون بين الخوف والرجاء، {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 106] ولهم فيما بين ذلك تربية؛ ليطيروا بجناحي الخوف والرجاء إلى أن يصلوا إلى مقام الفيض والبسط إلى أن يبلغوا سرادقات الأنس والهيبة، ثم ليطيروا بجناحي الأنس والهيبة إلى قاب قوسين الستر والتجلي والوحدة، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [التوبة: 106] بتربية عباده، {حَكِيمٌ} [التوبة: 106] بمن يصلح للقرب والقبول ومن يصلح للبعد.
ثم أخبر عن إرادة أهل النفاق بأعمال أهل الوفاق بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً} [التوبة: 107] إلى قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 110] يشير به إلى أهل الطبيعة اتخذوا مزبلة النفس مسجداً ضراراً لأرباب الحقيقة وكفروا بأحوالهم، كما أنهم اتخذوا بستان القلب مسجداً يذكرون الله في ويطلبونه، وهذا وصف مدعي الطلب الكذابين في دعواهم المتشبهين بزي أرباب الصدق والطلب، {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 107] الطالبين الصادقين بإظهار الدعوى من غير المعنى أن يفرقوا بين الأحوال في الله، وفي طلبه بأنواع الحيل تارة بطلب صحته معهم ومرافقتهم في الأسفل، وتارة بذكر البلدان وكثرة النعم فيها وطيب هوائها وكرم أهلها وإرادتهم بهذه الطائفة؛ ليزجوهم عن خدمة المشايخ ومحبة الإخوان.
{وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} [التوبة: 107] ليوفقهم في بلاء صحبة الإباحة من مدَّعي الفقر والمعرفة وهم يحاربون الله بترك دينه وشريعته وإحياء سنته، {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} [التوبة: 107] فيما دعوناكم إليه، {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] فيما يدعون ويحلفون، {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} [التوبة: 108] يخاطب رسول الهداية والعناية لا تقم في مزبلة النفس، وإن اتخذت مسجداً مشابهاً لمساجد القلوب. {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} [التوبة: 108] أي: مسجد القلب أسس على العبودية والطاعة والإقرار بالوحدانية، {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] الميثاق عند خطاب
{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } [ الأعراف: 172] وجواب: { قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172]، {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108] يا رسول الهداية والعناية؛ لأن {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} [التوبة: 108] وهم الأوصاف الحميدة والأخلاق الكريمة من القلب دأبهم التطهير عن الصفات الذميمة والأخلاق اللئيمة؛ بل عن دنس الوجود ولوث الحدوث، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] الفانين عن وجودهم الباقين بالله، ولولا محبته إياهم ما وفقهم بالتطهير.
{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} [التوبة: 109] أي: جبل وقت الفطرة بتقدير الأزل، {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 109] أي التوحيد والمعرفة، {وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 109] أي: خلق لطلب رضا الله ونيل الرضا من الله كقوله تعالى:
{ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [التوبة: 100]، {خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} [التوبة: 109] أي: جبل حال الفطرة والتقدير، {عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة: 109] أي: على شفا مهلكة فاسقة، {فَٱنْهَارَ بِهِ} [التوبة: 109] وخسف بهم، {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة: 109] البعد عن الله.
{وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 109] ما داموا على ظلمهم وهو وضع عبادة الدنيا ومحبتها والحرص في طلبها، وموضع عبادة الله ومحبته والصدق في طلبه، فإذا غيروا ما بأنفهسم من طلب الدنيا وشهواتها يغير الله بما بهم من الكفر والطغيان والخذلان، {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً} [التوبة: 110] عند الفطرة على الشقاوة بنيت شكّاً ونفاقاً وخذلاناً، {فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 110] ويخرب الله فيها بنيات الشقاوة بنور الهداية من يشاء من عباده، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [التوبة: 110] بمن يشاء به السعادة، {حَكِيمٌ} [التوبة: 110] بمن أراد به الشقاوة وحكم بها في الأزل.