التفاسير

< >
عرض

إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٤٠
ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٤١
لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
٤٢
عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ
٤٣
لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ
٤٤
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
٤٥
-التوبة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

ثم أخبر عن ترك النصر كما لم يضره كذلك لا يضره ترك الخروج بقوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} [التوبة: 40] إلا تنصروه يا أرباب الصورة بأن تكونوا معه فقد نصره الله في عالم الحقيقة بأن كان معه، {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [التوبة: 40] من مكة ولم يخرجوا معه بالنصر إلا أبو بكر رضي الله عنه، {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} [التوبة: 40] الوحدة الأزلية والخلوة الحبيبية، إذ لا يسعه ملك مقرب ولا نبي مرسل حين لا حين، وكان الله ولم يكن معه شي فخلق ببديع فطرته أول ما خلق الله نور وجود حبيبه، فكان ثاني اثنين في غار الغيرة ومقام المعية، وله صلى الله عليه وسلم مع الله وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى أن شرف الله تعالى أبا بكر رضي الله عنه باختصاص هذين القائلين بتبعيته صلى الله عليه وسلم؛ أعني: مقام ثاني اثنين ومقام العندية كما قال تعالى: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، وأنه تعالى متكلم به من الأزل إلى الأبد فدل على أن أبا بكر رضي الله عنه كان مكرماً في الأزل بهذه الكرامة وهو ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال، فكما أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً كان أبا بكر ثانيه فقط، فكذلك لمَّا خرج من العدم كان أ بو بكر ثانيه وفي عالم الأرواح، بل كان ثانيه في غار العدم، ولم يكن لأحد من الخلق هذا الاختصاص من معه غير أبي بكر رضي الله عنه والذي يدل قوله صلى لله عليه وسلم: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" .
وكان أبو بكر رضي الله عنه ثانيه في سباق الطلب والسير إلى الله تعالى في الجاهلية، والذي يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان فسبقته فتبعني، ولو سبقني لتبعته" ، وكان ثانيه في الإسلام دل عليه قوله تعالى: { وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } [الزمر: 33] وكان ثانيه في إمامة المسلمين يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفى فيه: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فلما كان أبو بكر رضي الله عنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق في بدء الخلقة وفي خلال حياته في مقامات وأحوال كثيرة، فقد تعين أن يكون ثانيه بعد وفاته في الخلافة كما قاله صلى الله عليه وسلم: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" والذي يؤكد قولنا في أن أبا بكر كان ثاني رسول الله على الإطلاق، وأنه كان متعيناً للخلافة بعدما أورده الشيخ الفضل بن سهل في تصديق خلافة أبي بكر رضي الله عنه فقال: إنه خير الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن خلافته حق واجب من الله تعالى.
قال الله عز وجل: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} حصل له في كل أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثانيه فأطلق القول أنه ثاني اثنين، ولم يعلقه بأنه ثاني اثنين في الغار فيكون ثانيه بحضوره معه في الغار فيكون مخصوصاً بثانيه في الغار فقط، فلما قال: {إِذْ هُمَا} دل على عموم الحال حتى يقول دليل بأنه مخصوص بثانيه في الغار فقال: ومن النبي صلى الله عليه وسلم واجب في عظم الدين وهو بأصحابه في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلف.
وذكر فيه بإسناده إلى عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه:
"ليؤم الناس أبو بكر فقالت عائشة لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل رقيق، وإنه إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، فقالت حفصة: يا رسول الله إن أبا بكر رقيق، وإنه إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فقال: يؤم الناس أبو بكر وقالت: فأعدت ذلك، فقال: مه إنكن لأنتن صواحب يوسف ليؤم الناس أبو بكر" وقال: لما عورض رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل الخلقة لين الجانب أجل وأغلظ لحضور الحق الذي لا يجوز غيره وهذا بيِّن لاخفاء فيه.
وقال دليل آخر أن خلافته حق لا يجوز غيره ما أخبرنا ممحمد بن بكر، وذكر إسنادها إلى عبد الله بن زمعة قال: لما اسْتُعِزَّ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وسلم وأنا عنده في نَفَر من الناس دعاه بلال إلى الصلاة، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
"مُرُوا أبا بكر يُصلِّي بالنس، قال: فخرجنا، فإِذا عُمرُ في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلتُ: يا عمر، قم فصلِّ للناس، فتقدَّم فكبَّر، فلما سمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم صوتَه - وكان عمر رجلاً مِجْهَراً - قال فأين أبو بكر؟ يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس" .
قال لولا أنه حق لا يجوز غيره ما أعيدت تلك الصلاة ولولا أنه حق واجب ينظر بأبي بكر لكان في الناس غير عمر حضور وغيب، وبعث إلى أبي بكر وهو غائب ونادى الصلاة؛ لأنه حضر وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الصلاة في ذلك الوقت خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان غير ذلك لم تجب الإعادة، فقد صلى رسول الله صلى الله عليه سلم وأبو بكر وعمر والصحابة بأجمعهم خلف عبد الرحمن بن عوف وهم في مسيرهم إلى تبوك فجاز ولم يوجب إعادة، ولو لم يعد تلك الصلاة كانت الخلافة شرعاً لمن كان، فلما أعيدت تأكدت الخلافة.
ثم ذكر دليلاً وكيداً آخر بإسناده عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"اقتدوا بالذين من بعدي أبا بكر وعمر" ، فلما قال: "من بعدي" دل على أن الخلافة لهما حق، فأمره بالاقتداء بهما حق واجب.
وقال: دليل وكيد آخر ثم ذكر بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فخرجت معه فدخل حائطاً من حيطان الأنصار فدخلت معه فقال: يا أنس أغلق الباب فأغلقته، فإذا برجل يقرع الباب فقال: يا أنس افتح له وبشره بالجنة، وأخبره أنه يأتي أمتي من بعدي فذهبت أفتح له لا أدري من هو فإذا هو أبو بكر فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم" .
وقال: دليل وكيد آخر ثم ذكر بإسناده عن سفينة قال: "بنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ووضع حجراً، ثم قال لأبي بكر: ضع حجرك إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال لعثمان: ضع حجر إلى جنب حجر عمر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء من بعدي" .
ثم روى عن زيد بن وهب بإسناده قال علي رضي الله عنه: استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر في صلاتنا، واختاره لنا فرضينا لدنيانا من استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاتنا، ثم ذرك دلائل خلافته كثيرة يطول ذكرها، فتحقق أن أبا بكر رضي الله عنه كان ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق في بدء الخلقة إلى أن كان ثانيه في القبر بعد وفاته، وثانيه فيما صب الله في صدره من أسرار النبوة كما قال صلى الله عليه وسلم: "ما صب الله في صدري شيئاً إلا وصببته في صدر أبي بكر" وبذلك استحق أن يكون ثانيه في الخلافة من بعده.
والذي يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} [التوبة: 40] يعني: على أبي بكر في الغار، {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40] وهي حقائق الإيمان، ودقائق العرفان، ودقائق الإيقان من سوابق الإحسان ولواحق العيان ولا يبعد أن إنزال السكينة كان على قلب النبي صلى الله عليه وسلم والتأييد بالجنود له.
ثم صب النبي صلى الله عليه وسلم ما صب الله تعالى في صدره من حقائق السكينة والتأييد في صدر أبي بكر رضي الله عنه بتصرف قوله:
"لا تحزن إن الله معنا" فنزلت السكينة على أبي كبر وحصل له التأييد بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" ليستحق بذلك كله أن يكون ثانيه في الخلافة.
{وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} [التوبة: 40] يشير به إلى الذين ارتدوا من العرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم من دفع الزكاة، فقهرهم الله تعالى وأظهر أبا بكر عليهم، {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} [التوبة: 40] وهي قول الحق الذي قاله الصديق: "والله لو منعوا عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه"، {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} [التوبة: 40] يعز بعزته أولياءه بالنصر، {حَكِيمٌ} [التوبة: 40] فيما يذل بحكمته أعداءه بالقهر.
ثم أخبر عن حق الأولياء على قهر الأعداء بقوله تعالى: {ٱنْفِرُواْ خِفَافاً} [التوبة: 41] إلى قوله:
{ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ } [التوبة: 47] انفروا أيها الطلاب في طلب الحق خفافاً مجردين من علائق الأولاد والأهالي منقطعين من علائق الأموال والأملاك، {وَثِقَالاً} [التوبة: 41] مشمولين ومتأهلين، وأيضاً خفافاً من قطع علائق تعلقات الكونين وثقالاً معتصمين بحبل الثقلين، وأيضاً خفافاً مجذوبين بالعناية وثقالاً سالكين بالهداية، {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} [التوبة: 41] بإنفاقها، {وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 41] ببذلها، {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 41] في السير إلى الله على قدمي بذل الأموال والنفس، وإنما قدم أثقال المال في طلب الحق على بذل النفس؛ لأن بذل النفس مع بقاء الصفات الذميمة غير معتبر، وإنما الاعتبار بأن ينقي النفس عن دنس صفاتها، ثم تفنى ببذلها في الله بالله لله، فإن من صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها، فأشار بإنفاق المال إلى ترك الدنيا؛ لينقطع عن النفس وصفاتها ما هو مادة تربيتها وتقوية صفاتها.
{ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [التوبة: 41] يعني: ترك الدنيا وبذل النفس خير لكم في طلب الحق من الله والنفس، {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] قدر طلب الحق وعزة السير إليه، فإن الحاصل من المال والنفس الوزر والوبال، والحاصل من طلب الحق الوصول والوصال، ثم قال تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} [التوبة: 42] لو كان مطلوبك يا محمد الدنيا، وزينتها، {وَسَفَراً قَاصِداً} [التوبة: 42] وهي تتبع شهوات النفس وهواها، {لاَّتَّبَعُوكَ} [التوبة: 42] أرباب النفوس وطلاب الدنيا، { وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} [التوبة: 42] ولأنها الخروج عن الدنيا وزينتها وترك شهواتها وقهر النفس وقمع صفاتها فلم يكونوا متابعيك.
{وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} [التوبة: 42] يعني: أرباب النفوس، {لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} [التوبة: 42] يا أرباب القلوب من الدنيا وما فيها كما خرجتم عنها، {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 42] في مهالك شهوات الدنيا؛ إذ لم يخرجوا عنها وما يخلفون عن عدم الاستطاعة للخروج، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42] فيما يخلفون؛ لأن استطاعة الخروج شاملة لكافة الخلق مركوزة في جبلتهم.
ثم قال تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] قدم العفو على العتاب تصديقاً وتحقيقاً؛ لقوله تعالى:
{ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [الفتح: 2] وقوله تعالى: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} ما كان على وجه الكتاب حقيقة؛ بل كان على وجه إظهار لطفه معه وكما رأفته في حقه؛ لقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} [التوبة: 43] جعل فائدة عدم الإذن راجعة إليه صلى الله عليه وسلم لا إلى غيره؛ يعني: ليحصل ذلك العلم والمعرفة بمن صدقك أنه مؤمن، {وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43] المنافقين من المؤمنين الصادقين.
ثم بيَّن الصادقين والكاذبين فقال: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [التوبة: 44] أي: إن يطلب الإذن المقصود عن الجهاد المعنوي والصوري من لم يكن إيمانه بالنور الإلهي الموجب لليقين؛ بل يكون إيمانه تقلداً ونفاقاً، {أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44] {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 45] عند عدم الإيقان.
{فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ} [التوبة: 45] أي: في ظلمة ريبهم، {يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] بين أوصافهم الذميمة النفسانية والطبائع الحيوانية لا داعية لهم في الخروج عنها إلى الأنوار الروحانية والأخلاق الربانية.