التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ
٤٦
لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ
٤٧
لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ
٤٨
وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ
٤٩
إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ
٥٠
-التوبة

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ} [التوبة: 46] أي: لو وجدوا في قلوبهم دواعي الخروج عن المراتب الحيوانية، {لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46] وهي متابعة الأنبياء؛ لأنهم بعثوا لخروجهم من الظلمات الحيوانية إلى النور الربانية، {وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ} [التوبة: 46] في الأزل، {ٱنبِعَاثَهُمْ} [التوبة: 46] أي: كره أن يوفقهم لداعية الطلب إظهاراً للقهر.
{فَثَبَّطَهُمْ} [التوبة: 46] أي: حبسهم في سجن البشرية وأخلى لهم القعود فيه، {وَقِيلَ} [التوبة: 46] بأمر التكوين، {ٱقْعُدُواْ} [التوبة: 46] راضين بالحبس فرحين بما لديكم من التمتعات الحيوانية، {مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46] في أسفل الطبيعة المستلذين بالشهوات النفسانية، {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} [التوبة: 47] يشير إلى أن قعود أهل الطبيعة في خير الشرية صلاح لأرباب القلوب وأصحاب السلوك؛ وذلك لأنهم لو خرجوا عن البشرية بالهوى والطبيعة لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة فهي في صحبة الصادقين السالكين ما زادهم إلا تشويشاً وتفرقة بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، وأفسدوا عليكم أمر الطلب، وأقعدوا عن السير والسلوك.
{يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ} [التوبة: 47] يعني: التغيير والدعوة إلى الشهوات واللذات والميلان إلى الدنيا وزينتها وتعذر الوصول إلى المرام بالاستطعام، {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] أي: من يسمع المنكرين من أحوالكم ما يزيد في إنكارهم عليكم، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 47] الذين هم أرباب النفوس وإن الصلاح أن يكونوا في حبس البشرية قاعدين.
ثم أخبر عن باغي الفتنة بقوله تعالى: {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ} [التوبة: 48] إلى قوله:
{ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ } [التوبة: 52]، {لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ} يشير إلى صفات النفس اتبعت فتنة شهوة المأكول والمشروب ومستلذات النفوس ومستحسنات الهوى من قبل، {وَقَلَّبُواْ لَكَ} [التوبة: 48] يا روح، {ٱلأُمُورَ} [التوبة: 48] وهي الأمور الروحانية، وحسن الاستعداد في طلب السعادات الأخروية، واستكمال الإنسانية إلى أوان البلوغ، {حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ} [التوبة: 48] وهو العقل القابل لأوامر الشرع، {وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ} [التوبة: 48] وهو أمر الدعوة إلى الحق، {وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 48] يعني: على كره من النفس وصفاتها.
{وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} [التوبة: 49] وهو الهوى يستأذن الروح بأن يكون له مدخل في جميع مشارعه الدنيوية؛ لتكون مشوبة بالهوى بقوله: {وَلاَ تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] يشير إلى أن الروح كلما يدعو الهوى إلى استعمال في المنازل الروحانية والمواهب فإن الهوى مركب المحبة يقول: لا تعتني بتلك المعارف ولا تقيدوني بتلك العوارف، وذلك منه اعتلال لدفع الصعود على العلويات؛ لأن طبعه الهبوط.
{أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [التوبة: 49] يعني: اعتلاله لدفع الصعود هو عين فتنة الهبوط، {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 49] يعني: جهنم البعد والقطيعة من لوازم الكفار النفس وصفاتها، {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} [التوبة: 50] يا روح من عواطف الحق وإحسانه، {تَسُؤْهُمْ} [التوبة: 50] تحزن النفس وصفاتها؛ لأن بها تظفر الروح عليها، {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [التوبة: 50] من المواقع والقواطع عن السير.
{يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} [التوبة: 50] أي: أخذنا نصيباً من المواقع الحيوانية لما خلفنا في السير إلى المعالم الروحانية والمعارف الربانية، {وَيَتَوَلَّواْ} [التوبة: 50] الروح وأوصافه، {وَّهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة: 50] بما لديهم من المراتع البهيمية.