التفاسير

< >
عرض

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
٢٨
فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
٢٩
هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٣٠
-يونس

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ تتلو بالتاء أهل الكوفة غير عاصم وروح وزيد عن يعقوب والباقون تبلو بالباء.
الحجة: قال أبو علي من قرأ تبلو فمعناه تختبر من قولهم البلاء ثم الثناءَ أي الاختبار للمثنى عليه ينبغي أن يكون قبل الثناء ليكون الثناء عن علم بقدر ما يوجبه ومعنى اختبارها ما أسلفت أنه إن قدم خيراً أو شراً جوزي عليه كما قال
{ فمن يعمل مثقال ذرة } [الزلزلة: 7] إلى آخره { ومن عمل صالحاً فلنفسه } [فصلت: 46] وغير ذلك من الآي ومن قرأ تتلو فإنه من التلاوة التي هي القراءة دليله قوله { فأُولئك يقرؤون كتابهم } [الإسراء: 71] وقوله { إقرأ كتابك } [الإسراء: 14] ويكون تتلو تتبع من قولهم تلا الفريضة النفل إذا أتبعها النفل قال.

عَلى ظَهْرِ عادِيٍّ كَأَنَّ أُرُومَهُ رِجـــالٌ يُتَلُّونَ الصَلاةَ قِيامُ

فيكون المعنى تتبع كل نفس ما أسلفت من حسنة أو سيئة قال:

قَدْ جَعَلَتْ دَلْوِي تَسْتَتْلِينِي وَلا أُحِبُّ تَبَعَ الْقَرِينِ

أي تستتبعني من ثقلها.
اللغة: التنزيل التفريق مأخوذة من قولهم زلت الشيء عن مكانه أزيله وزيلته للكثرة من هذا إذا نحيته عن مكانه وزايلت فلاناً إذا فارقته هنالك أي في ذلك المكان وهو ظرف فهنا للقريب وهنالك للبعيد وهناك لما بينهما قال زهير:

هُنالِـكَ إنْ يُسْتَخْبَلُـوا المالَ يُخْبِلُوا وَإنْ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا

والإسلاف تقديم أمر لما بعده فمن أسلف الطاعة لله جوزي بالثواب ومن أسلف المعصية جوزي بالعقاب.
الإِعراب: جميعاً نصب على الحال {مكانكم} قال الزجاج هو منصوب على الأَمر والمعنى انتظروا مكانكم حتى يفصل بينكم والعرب تتوعد فتقول مكانك وانتظرني وهي كلمة جرت على الوعيد. وأقول: إن الصحيح عند المحققين أن مكانك ودونك من أسماء الأَفعال فيكون مكانكم ههنا اسماً لأَلْزِموا مبنياً على الفتح وليس بمنصوب نصب الظروف وكُمْ لا محل له من الإِعراب إذ هو حرف الخطاب وأنتم رفع تأكيد للضمير في مكانكم وشركاؤكم عطف عليه وهذا كما تقول في قولهم عليك زيداً أن الكاف حرف الخطاب لا محل له من الإِعراب وعلى ههنا اسم الفعل وليس بحرف {فكفى بالله شهيداً}. قال الزجاج: شهيداً منصوب على التمييز إن شئت وإن شئت على الحال. إن كنا إنْ بمنزلة ما النفي أي ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين قاله الزجاج: وأقول الصحيح أنَّ إنْ هذه هي المخففة من الثقيلة وإذا كانت مخففة من الثقيلة يلزمها اللام ليفرَّق بينها وبين النافية والتقدير إنا كنا على عبادتكم غافلين وهنالك منصوب بتبلو إلا أنه غير متمكن واللام زائدة كسرت لالتقاء الساكنين.
المعنى: ولما تقدم ذكر الجزاء بين سبحانه وقت الجزاء فقال {ويوم نحشرهم جميعاً} أي نحشر الخلائق أجمعين أي نجمعهم من كل أوب إلى الموقف {ثم نقول للذين أشركوا} في عبادتهم مع الله غيره وفي أموالهم فقالوا: هذا لله وهذا لشركائنا {مكانكم أنتم وشركاؤكم} أي أثبتوا وألزموا مكانكم أنتم مع شركائكم يعني الأَوثان فقد صحبتموهم في الدنيا فاصحبوهم في المحشر. وقيل: معناه أثبتوا حتى تسألوا كقولـه
{ وقفوهم إنهم مسؤولون } [الصافات: 24] {فزيلنا بينهم} أي فميَّزنا وفرَّقنا بينهم في المسألة فسألنا المشركين على حدة لما عبدتم الأَصنام وسألنا الأَصنام على حدة لما عُبدتم وبأيّ سبب عُبدتم وهذا سؤال تقريع وتبكيت عن الحسن ومثله { وإذا المؤودة سئلت بأيّ ذنب قتلت } [التكوير: 8]. وقيل: معناه {فزيلنا بينهم} وبين الأَوثان فتبرأ منهم الشركاء وانقطعت أسبابهم.
{وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} أي يحييهم الله وينطقهم فقالوا ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون عن مجاهد. وقيل: إن شركاءهم من كانوا يعبدونهم من الشياطين. وقيل: هم الملائكة الذين كانوا يعبدونهم من دون الله وفي كيفية جحدهم لعبادتهم إياه قولان أحدهما: أنهم يقولون ذلك على وجه إهانتهم بالرد عليهم أي ما اعتذرنا بذلك لكم والآخر: أن المراد أنكم لم تعبدونا بأمرنا ودعائنا ولم يرد أنهم لم يعبدوهم أصلاً لأَن ذلك كذب لا يجوز أن يقع في الآخرة لكونهم ملجئين إلى ترك القبيح عن الجبائي وهذه الآية نظير قولـه
{ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [البقرة: 166] الآية {فكفى بالله شهيداً} أي فاصلاً للحكم {بيننا وبينكم} أيها المشركون {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} مرَّ معناه وهذا إذا كان المراد به الملائكة فإنهم عما ادعوه غافلون لأَنهم لم يشعروا بذلك ولا أمروا به وإن كان المراد الأَصنام فلم يكن لها حسٌّ ولا علم وهذا غاية في إلزام الحجة اختاروا للعبادة من لم يدعهم إليها ولم يشعر بها {هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت} أي في ذلك المكان وفي تلك الحال وفي ذلك الوقت تجرب وتعلم كل نفس ما قدَّمت من خير أو شرّ وترى جزاءه على القراءة بالتاء معناه تقرأ كل نفس جزاء عملها وجزاء ما قدمته {وردُّوا إلى الله مولاهم الحق} أي وردُّوا إلى جزاء الله وإلى الموضع الذي لا يملك أحد فيه الحكم إلا الله الذي هو مالكهم وسيّدهم وخالقهم والحق صفة لله تعالى وهو القديم الدائم الذي لا يفنى وما سواه يبطل. وقيل: الحق هو الذي يكون معنى اللفظ حاصلاً له على الحقيقة فالله جل جلاله وهو الحق لأَنه معنى الإِلهية حاصل له على الحقيقة {وضلَّ عنهم ما كانوا يفترون} أي بطل وهلك عنهم ما كانوا يدعونه بافترائهم من الشركاء مع الله تعالى.