التفاسير

< >
عرض

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
٤٥
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ
٤٦
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٤٧
-يونس

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ حفص عن عاصم ويوم يحشرهم بالياء والباقون بالنون.
الحجة، والإعراب: قال أبو علي: يحتمل قولـه {كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار} ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون صفة ليوم والآخر: أن يكون صفة للمصدر المحذوف والثالث: أن يكون حالاً من الضمير في نحشرهم فإذا جعلته صفة ليوم احتمل ضربين من التأويل أحدهما: أن يكون التقدير كأن لم يلبثوا قبله إلا ساعة فحذفت الكلمة لدلالة المعنى عليها ومثل ذلك في حذف هذا النحو منه قولـه
{ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهنَّ بمعروف } [البقرة: 231] أي أمسكوهن قبله وكذلك قولـه { يتربصن بأنفسهن } [البقرة: 228] أي يتربصن بعدهم ويجوز أن يكون المعنى كأن لم يلبثوا قبله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ثم حذفت الهاء من الصفة كقولك الناس رجلان رجل أهنتم ورجل أكرمتم ومثل هذا في حذف المضاف واقامة الصفة المضاف إليه مقامه قولـه { ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا } [الشورى: 22] وهو واقع بهم التقدير وجزاؤه واقع بهم فحذف المضاف وإن جعلته صفة للمصدر كان على هذا التقدير الذي وصفناه وبمثله وإن جعلته حالاً من الضمير المنصوب لم يحتج إلى حذف شيء من اللفظ لأن الذكر من الحال قد عاد إلى ذي الحال والمعنى نحشرهم مشابهة أحوالهم أحوال من لم يلبث إلا ساعة.
وأما يوم نحشرهم فإنه يصلح أن يكون معمولاً لأحد شيئين أحدهما: أن يكون معمول يتعارفون والآخر: أن يكون {يوم نحشرهم} لما دلَّ عليه قولـه {كأن لم يلبثوا} فإذا جعلته معمولاً لقولـه {يتعارفون} انتصب يوم على وجهين أحدهما: أن يكون ظرفاً معناه يتعارفون في هذا اليوم والآخر: أن يكون مفعولاً على السعة على قوله يا سارق الليلة أهل الدار ومعنى {يتعارفون} يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون المعنى مدة إماتتهم التي وقع حشرهم بعدها وحذف المفعول للدلالة عليه كما حذف في مواضع كثيرة وعدي تفاعل كما يعدي في قوله تخاطأت النبل أحشاءه أو يكون أعمل الفعل الذي دلَّ عليه يتعارفون ألا ترى أنه قد دلَّ على يستعملون ويتعرفون وتعرفوا مدة اللبث ها هنا كما تعرفوها في قولـه
{ قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم } [الكهف: 19] والآخر في التعارف ما جاء من قوله { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } [الطور: 26] فتعارفهم يكون على أحد هذين الوجهين فعلى هذا يكون قولـه ويوم نحشرهم معمول يتعارفون والآخر أن يكون يوم نحشرهم معمول ما دلَّ عليه قولـه {كأن لم يلبثوا} ألا ترى أن المعنى تشابه أحوالهم أحوال من لم يلبث فيعمل في الظرف هذا المعنى ولا يمتنع المعنى من أن يعمل في الظرف وإن تقدم الظرف عليه كقولهم: أكل يوم لك ثوب وإذا حملته على هذا لم يجز أن يكون صفة للمصدر لأن الموصوف الذي هو المصدر موضعه بعد الفعل تقديره يوم نحشرهم حشراً كأن لم يلبثوه أو لم يلبثوا قبله والصفة لا يتقدم عليها ما تعمل فيه.
ولا يجوز أيضاً أن تجعله صفة ليوم على هذا لأن الصفة لا تعمل في الموصوف، ألا ترى أن الصفة شرح للموصوف كما أن الصلة لا تعمل في الموصول لذلك فإن قلت فإذا قدرت كأن لم يلبثوا على تقدير الحال من الضمير هل يجوز أن يكون يوم معمولاً له فإن ذلك لا يجوز لأن العامل في الحال يحشر أو نحشر وقد أضيف اليوم إليه ولا يجوز أن يعمل في المضاف المضاف إليه ولا ما يتعلق بالمضاف إليه لأن ذلك يوجب تقديمه على المضاف ألا ترى أنه لم يجز القتال زيداً حين يأتي وإذا جعلت يتعارفون العامل في يوم نحشرهم لم يجز أن يكون صفة ليوم على أنك كأنك وصفت اليوم بقولـه {كأن لم يلبثوا} ويتعارفون فوصفت يوم نحشرهم بجملتين لم يجز أن يكون معمولاً لقولـه {يتعارفون} لأن الصفة لا تعمل في الموصوف وجاز وصف اليوم بالجمل وإن أضيف لأن الإضافة ليست بمحضة فلم تعرفه ويدل على النون في نحشرهم قولـه سبحانه
{ وحشرناهم } [الكهف: 47] وقولـه: { فجمعناهم جمعاً } [الكهف: 99] و { نحشره يوم القيامة أعمى } [طه: 124] ويدل على الياء قولـه: { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } [النساء: 87] وكل واحد منهما يجري مجرى الآخر.
المعنى: ثم بيَّن سبحانه حالهم يوم الجمع فقال {ويوم يحشرهم} أي يجمعهم من كل مكان إلى الموقف {كأن لم يلبثوا} في الدنيا {إلا ساعة من النهار} أي كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار ومعناه أنهم استقلُّوا أيام الدنيا فإن المكث في الدنيا وإن طال كان بمنزلة مكث ساعة في جنب الآخرة عن الضحاك وجماعة. وقيل: استقلوا أيام مقامهم في الدنيا لقلة انتفاعهم بأعمارهم فيها فكأنهم لم يلبثوا إلا يوماً فيها لقلة فائدتها. وقيل: إنهم استقلُّوا مدة لبثهم في القبور عن ابن عباس وقد دلَّ الله سبحانه بذلك على أنه لا ينبغي لأحد أن يغترَّ بطول ما يأمله من البقاء في الدنيا إذا كان عاقبته إلى الزوال.
{يتعارفون بينهم} معناه أن الخلق يعرف بعضهم بعضاً في ذلك الوقت كما كانوا في الدنيا كذلك. وقيل: معناه يعرف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطأ والكفر قال الكلبي: {يتعارفون} إذا خرجوا من قبورهم ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب ويتبرأ بعضهم من بعض {قد خسر الذين كذَّبوا بلقاء الله} أي بلقاء جزاء الله {وما كانوا مهتدين} للحق قال الحسن معناه خسروا أنفسهم لأنهم لم يكونوا مهتدين في الدنيا ولو كانوا مهتدين في الدنيا لم يخسروا أنفسهم. ومعناه: أنهم خسروا الدنيا حين صرفوها إلى المعاصي وخسروا نعيم الآخرة حين فوَّتوها على أنفسهم بمعاصيهم.
{وإمَّا نرينك} يا محمد في حياتك {بعض الذي نعدهم} أي نعد هؤلاء الكفار من العقوبة في الدنيا قالوا ومنها وقعة بدر {أو نتوفينك} أي نميتنك قبل أن ينزل ذلك بهم وينزل ذلك بهم بعد موتك {فإلينا مرجعهم} أي إلى حكمنا مصيرهم في الآخرة فلا يفوّتوننا. وقيل: إن الله سبحانه وعد نبيه صلى الله عليه وسلم ينتقم له منهم إما في حياته أو بعد وفاته ولم يحدَّه بوقت فقال إن ما وعدناه حقاً لا محالة {ثم الله شهيد على ما يفعلون} أي عليم بأفعالهم حافظ لها فهو يوفّيهم عقاب معاصيهم.
{ولكل أمة رسول} أي لكل جماعة على طريقة واحدة ودين واحد كأمة محمد وأمة موسى وعيسى عليهم السلام رسول بعثه الله إليهم وحمله الرسالة التي يؤدّيها إليهم {فإذا جاء رسولهم} ههنا حذف وإضمار والتقدير فإذا جاء رسولهم وبلَّغ الرسالة فكذَّبه قومه وصدَّقه آخرون {قضي بينهم} فيهلك المكذّبون وينجو المؤمنون وقيل: معناه {فإذا جاء رسولهم} يشهد عليهم يوم القيامة عن مجاهد. وقيل: في الدنيا بما أذن الله له من الدعاء عليهم قضى بينهم أي فصل بينهم الأمر على الحتم {بالقسط} أي بالعدل {وهم لا يظلمون} أي لا ينقصون عن ثواب طاعاتهم ولا يزدادون في عقاب سيئاتهم.