التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ
١١٣
وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ
١١٤
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١١٥
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ
١١٦
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
١١٧
-هود

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أبو جعفر وزُلفاً بضم اللام والباقون بفتح اللام.
الحجة: من قرأ زُلَفاً بفتح اللام فإنه جمع زلفة وهي المنزلة قال العجاج:

ناجٍ طَواهُ الأَيْنُ مِمَّا وَجَفا طَيَّ اللَّيالِــي زُلَفــاً فَــزُلَفَـا

ومن قرأ بضم اللام فإنه واحد مثل الحلم وجائز أن يكون جمعاً على زليف من الليل فيكون مثل قريب وقرب قال الزجاج والزَلف بالفتح أجود في الجمع وما علمت أن زليفاً يستعمل في الليل وهو منصوب على الظرف.
اللغة: الركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له والإنصات إليه ونقيضه النفور عنه والصبر حبس النفس عن الخروج إلى ما لا يجوز من ترك الحق وضدُّه الجزع قال:

فإِنْ تَصْبِرا خَيْرٌ مَغَبَّةً وَإِنْ تَجْزَعا فالأَمْرُ ما تَرَيانِ

وهو مأخوذ من الصبر المرّ لأنه يجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج إلى المشتهى ومما يعين على الصبر شيئان أحدهما: العلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له والثاني: استشعار ما في لزوم الحق من العز والأجر بطاعة الله والبقية ما بقي من الشيء بعد ذهابه وهو الاسم من الإبقاء. ويقال: في فلان بقية أي فضل مما يمدح به وخير كأنه قيل بقية خير من الخير الماضي واترفوا أي عودوا الترفه بالنعيم واللذة وذلك أن الترفه عادة النعمة قال:

تُهْدى رُؤُوس المُتْرِفِينَ الضُّدَّادْ إلــى أمِيــرِ المُــؤْمِنِينَ المُمتــادْ

أي المسؤول وإنما قيل: للمتنعم مترف لأنه مطلق له لا يمنع من تنعمه.
الإعراب: {فتمسكم} منصوب لأنه جواب النهي بالفاء وتقديره لا يكن منكم ركون إلى الظالمين فتمس النار إياكم {ثم لا تنصرون} ارتفع تنصرون على الاستئناف. {طرفي النهار} منصوب على الظرف {وزلفاً} معطوف عليه. {إلا قليلاً} استثناء منقطع بمعنى لكن عن الزجاج تقديره لكن قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد.
المعنى: ثم نهى الله سبحانه عن المداهنة في الدين والميل إلى الظالمين فقال: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} أي ولا تميلوا إلى المشركين في شيء من دينكم عن ابن عباس. وقيل: لا تداهنوا الظلمة عن السدي وابن زيد. وقيل: إن الركون إلى الظالمين المنهي عنه هو الدخول معهم في ظلمهم وإظهار الرضا بفعلهم أو إظهار موالاتهم فأما الدخول عليهم أو مخالطتهم ومعاشرتهم دفعاً لشرّهم فجائز عن القاضي وقريب منه ما روي عنهم (ع) أن الركون المودة والنصيحة والطاعة {فتمسَّكم النار} أي فيصيبكم عذاب النار {وما لكم من دون الله من أولياء} أي ما لكم سواه من أنصار يدفعون عنكم عذاب الله وفي هذا بيان أنهم متى خالفوا هذا النهي وسكنوا إلى الظالمين نالتهم النار ولم يكن لهم ناصر يدفع عنهم عقوبة لهم على ذلك {ثم لا تنصرون} أي لا تنصرون في الدنيا على أعدائكم لأن نصر الله نوع من الثواب فيكون للمطيعين:
{وأقم الصلاة} أي أدِّها وائت بأعمالها على وجه التمام في ركوعها وسجودها وسائر فروضها. وقيل: معناه اعملها على استواء. وقيل: أَدِمْ على فعلها {طرفي النهار وزلفاً من الليل} قيل أراد بطرفي النهار صلاة الفجر والمغرب وبزلف من الليل صلاة العشاء الآخرة والزلف أول ساعات الليل عن ابن عباس وابن زيد قالوا: وترك ذكر الظهر والعصر لأحد أمرين إما لظهورهما في أنهما صلاتا النهار فكأنه قال وأَقم الصلاة طرفي النهار مع لمعروفة من صلاة النهار وإما لأنهما مذكورتان على التبع للطرف الأخير لأنهما بعد الزوال فهما أقرب إليه وقد قال سبحانه:
{ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل } [الإسراء: 78] ودلوك الشمس زوالها وهذا القول هو المروي عن أبي جعفر (ع). وقيل: صلاة طرفي النهار الغداة والظهر والعصر وصلاة زلف الليل المغرب والعشاء الآخرة عن الزجاج وبه قال مجاهد والضحاك ومحمد بن كعب القرظي والحسن قالوا: لأن طرف الشيء من الشيء وصلاة المغرب ليست من النهار قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المغرب والعشاء زلفتا الليل" . وقيل: أراد بطرفي النهار صلاة الفجر وصلاة العصر.
{إن الحسنات يذهبن السيئات} قيل في معناه إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب لأنه عرف الحسنات بالألف واللام وقد تقدم ذكر الصلاة عن ابن عباس وأكثر المفسرين وذكر الواحدي بإسناده عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان. قال: كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ غصناً يابساً منها فهزَّه حتى تحات ورقه ثم قال: يا أباعثمان ألا تسألني لم أفعل هذا. قلت: ولم تفعله قال هكذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه تحت شجرة فأخذ منها غصناً يابساً فهزَّه حتى تحات ورقه ثم قال: ألا تسألني يا سلمان لمَ أفعل هذا قلت: ولمَ فعلته قال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق ثم قرأ هذه الآية: {وأقم الصلاة} إلى آخرها.
وبإسناده عن أبي أمامة قال:
"بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ونحن قعود معه إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدّاً فأقمه عليَّ فقال: هل شهدت الصلاة معنا. قال: نعم يا رسول الله قال: فإن الله قد غفر لك حدَّك أو قال ذنبك" وبإسناده عن الحارث عن علي بن أبي طالب (ع) قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ننتظر الصلاة فقام رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت ذنباً فأعرض عنه فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قام الرجال فأعاد القول فقال النبي صلى الله عليه وسلم أليس قد صليت معنا هذه الصلاة وأحسنت لها الطهور. قال: بلى قال: فإنها كفارة ذنبك" وروى أصحابنا عن ابن محبوب عن إبراهيم الكرخي قال كنت عند أبي عبد الله (ع) إذ دخل عليه رجل من أهل المدينة فقال له من أين جئت ثم قال له: تقول جئتك من هنا وههنا لغير معاش تطلبه ولا بعمل آخر تكسبه انظر بماذا تقطع يومك وليلتك واعلم أن معك ملكاً كريماً موكلاً بك يحفظ عليك ما تصنع ويطَّلع على سرِّك الذي تخفيه من الناس فاستحيي لا تستحقرن سيئة فإنها ستسؤك يوماً ولا تحقرن حسنة وإن صغرت عندك وقلَّت في عينك فإنها ستسرّك يوماً واعلم أنه ليس شيء أضرُّ عاقبة ولا أسرع ندامة من الخطيئة وأنه ليس شيء أشدُّ طلباً ولا أسرع دركاً للخطيئة من الحسنة أما إنها لتدرك الذنب العظيم القديم المنسي عند عامله فتجتذبه وتسقطه وتذهب به بعد إثباته وذلك قول الله سبحانه {إن الحسنات يذهبن السيئات} ذلك ذكرى للذاكرين.
ورووا عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أحدهما عليهما السلام يقول: إن علياً (ع) أقبل على الناس فقال: أَيَّةُّ آية في كتاب الله أرجى عندكم فقال بعضهم
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به } [النساء: 48] الآية فقال حسنة وليست إياها وقال بعضهم { ومن يعمل سوءاً ويظلم نفسه } [النساء: 110] قال: حسنة وليست إياها وقال بعضهم { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } [الزمر: 53] قال حسنة وليست إياها وقال بعضهم { والذين إذا فعلوا فاحشة } [آل عمران: 135] الآية قال: حسنة وليست إياها قال: ثم أحجم الناس فقال: ما لكم يا معشر المسلمين فقالوا: لا والله ما عندنا شيء قال: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أرجى آية في كتاب الله {وأقم الصلاة طرفي النهار} وقرأ الآية كلها قال: يا علي والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً إن أحدكم ليقوم من وضوئه فتساقط عن جوارحه الذنوب فإذا استقبل الله بوجهه وقلبه لم ينفتل وعليه من ذنوبه شيء كما ولدته أُمه فإن أصاب شيئاً بين الصلاتين كان له مثل ذلك حتى عدَّ الصلوات الخمس ثم قال: يا علي إنما منزلة الصلوات الخمس لأُمتي كنهر جار على باب أحدكم فما يظن أحدكم لو كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات أكان يبقى في جسده درن فكذلك والله الصلوات الخمس لأمتي". وقيل: إن الحسنات يذهبن السيئات معناه أن الدوام على فعل الحسنات يدعو إلى ترك السيئات فكأنها يذهبن بها وقيل: إن المراد بالحسنات التوبة فإنها تذهب السيئات بأن تسقط عقابها لأنه لا خلاف في أن العقاب يسقط عند التوبة:
{ذلك ذكرى للذاكرين} يعني أن ما ذكره من أن الحسنات تذهب السيئات فيه تذكار وموعظة لمن تذكَّر به وفكَّر فيه {واصبر} قيل: معناه واصبر على الصلاة كما قال:
{ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } [طه: 132] {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} أي المصلّين عن ابن عباس. وقيل: معناه اصبر يا محمد على أذى قومك وتكذيبهم إياك وعلى القيام بما افترضته عليك وعلى أداء الواجبات والامتناع عن المقبحات فإن الله لا يهمل جزاء المحسنين على إحسانهم ولا يبطله بل يكافيهم عليه أكمل الثواب .
{فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية} أي هلاّ كان وإلا كان ومعناه النفي وتقديره لم يكن من القرون من قبلكم قوم باقون {ينهون عن الفساد في الأرض} أي كان يجب أن يكون منهم قوم بهذه الصفة مع إنعام الله تعالى عليهم بكمال العقل وبعثة الرسل إليهم وإقامة الحجج لهم وهذا تعجيب وتوبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من قبلهم في الفساد نحو عاد وثمود والقرون التي عدها القرآن وأخبر بهلاكها أي أن العجب منهم كيف لم تكن من جملتهم بقية في الأرض يأمرون فيها بالمعروف وينهون عن المنكر وكيف اجتمعوا على الكفر حتى استأصلهم الله بالعذاب وأنواع العقوبات لكفرهم بالله ومعاصيهم له. وقيل: أولوا بقية عناه ذوو دين وخير. وقيل: معناه ذوو بركة. وقيل: ذوو تمييز وطاعة:
{إلا قليلاً ممن أنجينا منهم} المعنى أن قليلاً منهم كانوا ينهون عن الفساد وهم الأنبياء والصالحون الذين آمنوا مع الرسل فأنجيناهم من العذاب الذي نزل بقومهم وإنما جعلوا هذا الاستثناء منقطعاً لأنه إيجاب لم يتقدم فيه صيغة النفي وإنما تقدم تهجين خرج مخرج السؤال ولو رفع لجاز في الكلام: {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه} أي واتبع المشركون ما عودوا من النعم والتنعم وإيثار اللذات على أمور الآخرة واشتغلوا بذلك عن الطاعات: {وكانوا} أي وكان هؤلاء المتنعمون البطرون: {مجرمين} مصرّين على الجرم وفي الآية دلالة على وجوب النهي عن المنكر لأنه سبحانه ذمَّهم بترك النهي عن الفساد وأخبر بأنه أنجى القليل منهم لنهيهم عن ذلك ونبّه على أنه لو نهى الكثير كما نهى القليل لما هلكوا.
ثم أخبر سبحانه أنه لم يهلك إلا بالكفر والفساد فقال: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} وذكر في تأويله وجوه أحدها: أن المعنى {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} منه لهم ولكن إنما يهلكهم بظلمهم لأنفسهم كما قال:
{ إن الله لا يظلم الناس شيئاً } [يونس: 44] الآية وثانيها: أن معناه لا يؤاخذهم بظلم واحدهم مع أن أكثرهم مصلحون ولكن إذا عمَّ الفساد وظلم الأكثرون عذَّبهم وثالثها: أنه لا يهلكهم بشركهم وظلمهم لأنفسهم وهم يتعاطون الحق بينهم أي ليس من سبيل الكفار إذا قصدوا الحق في المعاملة أن يهلكهم الله بالعذاب عن ابن عباس في رواية عطا الواو {وأهلها} واو الحال وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وأهلها مصلحون ينصف بعضها بعضهم" .
[النظم]: وجه اتصال قوله تعالى {فلولا كان من القرون من قبلكم} الآية بما قبلها أنه تعالى لما ذكر إهلاك الأمم الماضية والقرون الخالية عقَّب ذلك بأنهم أتوا في إهلاكهم من قبل نفوسهم ولو كان فيهم مؤمنون يأمرون بالصلاح وينهون عن الفساد لما استأصلناهم رحمة منا ولكنهم لما عمَّهم الكفر استحقُّوا عذاب الاستئصال.