التفاسير

< >
عرض

ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ
٨١
وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
٨٢
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ
٨٣
وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
٨٤
قَالُواْ تَاللهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ
٨٥
قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٨٦
يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ
٨٧
-يوسف

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: في الشواذ قراءة ابن عباس سُرق بضم السين وتشديد الراء وكسرها وقراءة الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز من روح الله بضم الراء.
الحجة: معنى سُرِّق بضم السين نسب إلى السرقة فيكون من باب فسَّقه وفَجَّره وشَجَّعه إذا نسبه إلى هذه الخلال وأما رُوح الله فيمكن أن يكون من الروح الذي هو من عند الله وبلطفه وهدايته ونعمته.
اللغة: القرية الأرض الجامعة لمساكن كثيرة وأصله من القري وهو الجمع. يقال: قريت الماء في الحوض ونظيره البلدة والمدينة، والعير قد مضى ذكر معناه، والكظم اجتراع الحزن وهو أن يمسكه في قلبه ولا يبثّه إلى غيره. ويقال: ما زلت أفعل كذا وما فُتِئْتُ أفعله أفْتأُ فَتْأً. قال أوس بن حجر يصف حرباً:

فَما فَتَأَتْ خَيْلُ تَثُوبُ وتَدَّعي وَيَلْحَـــقُ مِنْها لا حِقٌ وتَقَطَّعُ

والحرض المشرف على الهلاك. يقال: رجل حرض وحارض أي فاسد في جسمه وعقله ومنه حرضته على كذا أمرته به لأنه إذا خالف الأمر فكأنه هلك وأحرضه أي أفسده. قال العرجي:

إنِّي امْرؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فأَحْرَضنِي حَتّـى بَلَيْتُ وحَتّى شَفَّني السَّقمُ

والحرض لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر والشكوى صفة ما عنده من البلوى. يقال: شكوته إلى فلان شكوى وشكاية وشكواء فأشكاني أي أعتبني من شكواي وأشكاني أيضاً أخرجني إلى الشكوى، والبث الهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه أي يفرقه وكل شيء فرقته فقد بثثته ومنه قوله { وبث فيها من كل دابة } [البقرة: 164] والتحسس طلب الشيء بالحاسة والتجسس نظيره وفي الحديث "لا تحسسوا ولا تجسسوا" . وقيل: إن معناها واحد ونسق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظتين كقول الشاعر:

متـــى أدن منـــه ينــأ عنـــي ويبعــــد

وقيل: التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس وبالحاء الاستماع لحديث قوم وسئل ابن عباس عن الفرق بينهما. قال: لا يبعد أحدهما عن الآخر التحسس في الخير والتجسس في الشر والروح والراحة والروح الرحمة وأصل الباب من الريح التي تأتي بالرحمة.
الإِعراب: اسأل القرية أي أهل القرية وأهل العير فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه يا أسفي معناه يا حسرتي والأصل يا أسفي إلا أن ياء الإِضافة يجوز أن يبدل الفاء لخفة الألف والفتحة ويجوز أن يكون ألف الندبة ويكون معناه لبيان أن الحال حال حزن فكأنه قال يا أسف هذا من أوانك وقولـه على يوسف من صلة المصدر تفتأ معناه لا تفتأ حذف حرف النفي لعلم السامع به كما في قول امرئ القيس:

فَقُلْــتُ يَمِيــنُ اللَّـهِ أَبْــرَحُ قاعِــداً وَلَوْ ضَرَبُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصالي

وإنما جاز ذلك لأنه لا يجوز في القسم تالله تفعل حتى تقول تالله لتفعلن أو تقول لا تفعل.
المعنى: ثم أخبر سبحانه أنه قال كبيرهم في السن أو في العلم {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق} في الظاهر {وما شهدنا} عندك بهذا {إلا بما علمنا} أي بما شهدنا من أن الصاع استخرج من رحله في الظاهر وبيّن بهذا انهم لم يكونوا قاطعين على أنه سرق. وقيل: معناه ما شهدنا عند يوسف أن السارق يسترق إلا بما علمنا أن الحكم ذلك ولم نعلم أن ابنك سرق أم لا إلا أنه وجد الصاع عنده فحكم بأنه السارق في الظاهر وإنما قالوا ذلك حين قال يعقوب (ع): لهم ما يدري الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته ويسترق وإنما علم ذلك بقولكم.
{وما كنا للغيب حافظين} أي إنا لم نعلم الغيب حين سألناك أن تبعث ابن يامين معنا ولم ندر أن أمره يؤول إلى هذا وإنما قصدنا به الخير ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به عن مجاهد وقتادة والحسن وقال علي بن عيسى: علم الغيب هو علم من لو شاهد الشيء لشاهده بنفسه لا بأمر يستفيده والعالم بهذا المعنى هو الله وحده جل اسمه. وقيل: معناه ما كنا لسرّ هذا الأمر حافظين وبه عالمين فلا ندري أنه سرق أم كذبوا عليه وإنما أخبرناك بما شاهدنا عن عكرمة. وقيل: معناه ما كنا لغيب ابنك حافظين أي إنا كنا نحفظه في محضره وإذا غاب عنا ذهب عن حفظنا يعنون أنه سرق ليلاً وهم نيام والغيب هو الليل بلغة حمير عن ابن عباس قال: أي إنا لم نعلم ما كان يصنع في ليله ونهاره ومجيئه وذهابه.
{واسئل القرية} أي أهل القرية {التي كنا فيها} والقرية مصر عن ابن عباس والحسن وقتادة ومعناه سل من شئت من أهل مصر عن هذا الأمر فإن هذا الأمر شائع فيهم يخبرك به من سألته وإنما قالوا ذلك لأن بعض أهلها كانوا قد صاروا إلى الناحية التي كان فيها أبوهم والعرب تسمي الأمصار والمدائن قرى.
{والعير التي أقبلنا فيها} أي وسل أهل القافلة التي قدمنا فيها وكانوا من أرض كنعان من جيران يعقوب وإنما حذف المضاف للإيجاز ولأن المعنى مفهوم. وقيل: إنه ليس في الكلام حذف لأن يعقوب (ع) نبي صاحب معجز يجوز أن تكلمه القرية والعير على وجه خرق العادة وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا أهل تهمة عند يعقوب {وإنا لصادقون} فيما أخبرناك به.
{قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً} ههنا حذف كثير يدل الحال عليه تقديره فلما رجعوا إلى أبيهم وقصّوا عليه القصة بطولها. قال: لهم ما عندي إن الأمر على ما تقولونه بل سولت لكم أنفسكم أمراً فيما أظن {فصبر جميل} أي فأمري صبر جميل لا جزع منه {عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً} أي عسى الله أن يأتيني بيوسف وابن يامين وروبيل أو شمعون أو لاوي أو يهوذا {إنه هو العليم} بعباده {الحكيم} في تدبير الخلق {وتولى عنهم} أي انصرف وأعرض عنهم بشدة الحزن لما بلغه خبر حبس ابن يامين وهاج ذلك وجده بيوسف لأنه كان يتسلى به.
{وقال يا أسفى على يوسف} أي يا طول حزني على يوسف عن ابن عباس وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء قبلهم إنا لله وإنا إليه راجعون ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول: يا أسفي على يوسف {وابيضت عيناه من الحزن} والبكاء ولما كان البكاء من أجل الحزن أضاف بياض البصر إليه وسئل الصادق (ع) ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف قال: حزن سبعين حرى ثكلى قيل كيف وقد أخبر أنه يردّ عليه فقال انسى ذلك. وقيل: إنه عمي ست سنين عن مقاتل. وقيل: إنه أشرف على العمى فكان لا يرى إلا شيئاً يسيراً.
{فهو كظيم} والكظيم ههنا بمعنى الكاظم وهو المملوء من الهم والحزن الممسك للغيظ لا يشكوه لأهل زمانه ولا يظهره بلسانه ولذلك لقب موسى بن جعفر عليهما السلام الكاظم لكثرة ما كان يتجرع من الغيظ والغم طول أيام خلافته لأبيه في ذات الله تعالى. وقال ابن عباس: هو المغموم المكروب {قالوا} أي قال ولد يعقوب لأبيهم {تالله تفتؤا تذكر يوسف} أي لا تزال تذكر يوسف {حتى تكون حرضاً} أي دنفاً فاسد العقل عن ابن عباس وابن إسحاق. وقيل: قريباً من الموت عن مجاهد. وقيل: هرماً بالياً عن قتادة والضحاك {أو تكون من الهالكين} أي الميتين وإنما قالوا ذلك إشفاقاً عليه وتعطفاً ورحمة له. وقيل: إنهم قالوا ذلك تبرماً ببكائه إذ تنغص عيشهم بذلك.
{قال} يعقوب في جوابهم {إنما أشكو بثي} أي همي عن ابن عباس. وقيل: حاجتي عن الحسن {وحزني إلى الله} المعنى: إنما أشكو حزني وحاجتي واختلال حالي وانتشارها إلى الله في ظلم الليالي وأوقات خلواتي لا إليكم. وقيل: البث ما أبداه والحزن ما أخفاه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل أتاه فقال:
"يا يعقوب إن إلله يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر وليفرح قلبك فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك اصنع طعاماً للمساكين فإن أحبَّ عبادي إليَّ المساكين أو تدري لم أذهبت بصرك وقوَّست ظهرك لأنكم ذبحتم شاة وأتاكم مسكين وهو صائم فلم تطعموه شيئاً فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغذاء أمر منادياً ينادي ألا من أراد الغذاء من المساكين فليتغذ مع يعقوب وإذا كان صائماً أمر منادياً فنادى ألا من كان صائماً فليفطر مع يعقوب" رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ في صحيحه.
{وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي واعلم صدق رؤيا يوسف واعلم أنه حيّ وأنكم ستسجدون له كما اقتضاه رؤياه عن ابن عباس. وقيل: وأعلم من رحمة الله وقدرته ما لا تعلمون عن عطاء وفي كتاب النبوة بالإِسناد عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: إن يعقوب دعا الله سبحانه في أن يهبط عليه ملك الموت فاجأبه فقال ما حاجتك؟ قال: أخبرني هل مرَّ بك روح يوسف في الأرواح فقال لا فعلم أنه حيٌّ فقال {يا بَنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} ابن يامين.
وقيل: إنهم لما أخبروه بسيرة الملك. قال: لعله يوسف عن السدي فلذلك. قال: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ابن يامين أي استخبروا من شأنهما واطلبوا خبرهما وانظروا أن ملك مصر ما اسمه وعلى أيّ دين هو فإنه ألقي في روعي أن الذي حبس ابن يامين هو يوسف وإنما طلبه منكم وجعل الصاع في رحله احتيالاً في حبس أخيه عند نفسه {ولا تيأسوا من روح الله} أي لا تقنطوا من رحمته عن ابن عباس وقتادة والضحاك. وقيل: من الفرج من قبل الله عن ابن زيد والمعنى تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} قال ابن عباس: يريد أن المؤمن من الله على خير يرجوه في الشدائد والبلاء ويشكره ويحمده في الرخاء والكافر ليس كذلك وفي هذا دلالة على أن الفاسق الملي لا يأس عليه من رحمة الله بخلاف ما يقولـه أهل الوعيد.
سؤال: كيف خفي أخبار يوسف على يعقوب في المدة الطويلة مع قرب المسافة وكيف لم يعلمه يوسف بخبره لتسكن نفسه ويزول وجده.
الجواب: قال الجبائي: العلة في ذلك أنه حمل إلى مصر فبيع من العزيز فألزمه داره ثم لبث في السجن بضع سنين فانقطعت أخبار الناس عنه فلما تمكن احتال في إيصال خبره بأبيه على الوجه الذي أمكنه وكان لا يأمن لو بعث رسولاً إليه أن لا يمكنه إخوته من الوصول إليه وقال المرتضى قدس الله روحه يجوز أن يكون ذلك له ممكناً وكان عليه قادراً لكن الله سبحانه أوحى إليه بأن يعدل عن إطلاعه على خبره تشديداً للمحنة عليه ولله سبحانه أن يصعب التكليف وأن يسهله.