التفاسير

< >
عرض

أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
١٩
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ
٢٠
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ
٢١
وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٢
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ
٢٣
سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٤
-الرعد

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الألباب العقول ولب الشيء أجلّ ما فيه وأخلصه وأجوده, ولب الإنسان عقله لأنه أجل ما فيه, ولب الخلة قلبها, والميثاق العهد الواقع على أحكام والوصل ضم الثاني إلى الأول من غير فاصلة, والخوف والخشية والفزع نظائر وهو انزعاج النفس بما لا يأمن منه من الضرر والسوء ورود ما يشق على النفس, والحساب إحصاء ما على العامل وله وهو ها هنا إحصاء ما على المجازي وله والسر هو إخفاء المعنى في النفس ومنه السرور لأنه لذة تحصل للنفس, ومنه السرير لأنه مجلس سرور والدرء الدفع والعدن الإقامة الطويلة. وعدَن بالمكان يَعْدُن عدناً ومنه المعدن والصلاح استقامة الحال, والمصلح من فعل الصلاح الذي يدعو إليه العقل والشرع والصالح المستقيم الحال في نفسه والعقبى فعلى من العاقبة وهو الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر.
الإعراب: موضع الذين يوفون رفع لأنه صفة لقوله: {أولوا الألباب} وقيل إنه صفة لمن يعلم وابتغاء نصب لأنه مفعول له وجنات عدن بدل من عقبى ومن صلح موضعه رفع عطفاً على الواو في قوله يدخلونها وجائز أن يكون نصباً بأنه مفعول معه كما تقول قد دخلوا وزيداً أي مع زيد والباء في قوله بما صبرتم يتعلق بمعنى سلام لأنه دل على السلامة لكم بما صبرتم ويحتمل أن يتعلق بمحذوف على تقدير هذه الكرامة لكم بما صبرتم وما في قوله بما صبرتم مصدرية تقديره بصبركم وقيل إنه بمعنى الذي كأنه قال بالذي صبرتم على فعل طاعاته وتجنب معاصيه.
المعنى: ثم بيَّن سبحانه الفرق بين المؤمن والكافر فقال {أفمن يعلم أنما أنزل إليك} يا محمد {من ربك الحق كمن هو أعمى} عنه أخرج الكلام مخرج الاستفهام والمراد به الإنكار أي لا يكونان مستويين فإن الفرق بينهما هو الفرق بين الأعمى والبصير لأن المؤمن يبصر ما فيه رشده فيتبعه والكافر يتعامى عن الحق فيتبع ما فيه هلاكه {إنما يتذكر أولوا الألباب} أي إنما يتفكر فيه ويستدل به ذوو العقول والمعرفة قال علي بن عيسى وفي هذا حثُّ على طلب العلم وإلزام له لأنه إذا كانت حال الجاهل كحال الأعمى وحال العالم كحال البصير وأمكن هذا الأعمى أن يستفيد بصراً فما الذي يقعده عن طلب العلم الذي يخرجه عن حال العمى بالجهل إلى حال البصير.
{الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} أي يؤدّون ما عهد الله إليه وألزمهم إياه عقلاً وسمعاً فالعهد العقلي ما جعله في عقولهم من اقتضاء صحة أمور وفساد أمور أخر كاقتضاء الفعل للفاعل وإن الصنائع لا بدَّ أن ترجع إلى صانع غير مصنوع وإلا أدَّى إلى ما لا يتناهى وأن للعالم مدبِّراً لا يشبهه. والعهد الشرعي ما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين من الميثاق المؤكد باليمين أن يطيعوه ولا يعصوه ولا يرجعوا عما التزموه من أوامر شرعه ونواهيه وإنما كرَّر ذكر الميثاق وإن دخل جميع الأوامر والنواهي في لفظ العهد لئلا يظن ظان أن ذلك خاص فيما بين العبد وربه فأخبر أن ما بينه وبين العباد من المواثيق كذلك في الوجوب واللزوم وقيل إنه كرَّره تأكيداً.
{والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} قيل المراد به الإيمان بجميع الرسل والكتب كما في قوله:
{ لا نفرق بين أحد من رسله } [البقرة: 85] وقيل هو صلة محمد ومؤازرته ومعاونته والجهاد معه عن الحسن وقيل هو صلة الرحم عن ابن عباس. وروى أصحابنا أن أبا عبد الله (ع) لما حضرته الوفاة قال أعطوا الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين وهو الأفطس سبعين ديناراً فقالت له أم ولد له أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة فقال لها ويحك أما تقرئين قوله تعالى: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} الآية وقيل هو ما يلزم من صلة المؤمنين بأن يتولوهم وينصروهم ويذبُّوا عنهم ويدخل فيه صلة الرحم وغير ذلك عن الجبائي وأبي مسلم.
وروى جابر عن أبي جعفر (ع) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"برًّ الوالدين وصلة الرحم يهونان الحساب" ثم تلا هذه الآية روى محمد بن الفضيل عن موسى بن جعفر الكاظم (ع) في هذه الآية قال صلة آل محمد صلى الله عليه وسلم معلقة بالعرش تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني وهي تجري في كل رحم وروى الوليد بن أبان عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: قلت له: هل على الرجل في ماله سوى الزكاة قال: نعم أين ما قال الله {والذين يصلون} الآية.
{ويخشون ربهم} أي ويخافون عقاب ربهم في قطعها {ويخافون سوء الحساب} قد بينَّا ما قيل فيه وروى هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال سوء الحساب أن يحسب عليهم السيئات ولا يحسب لهم الحسنات وهو الاستعصاء وروى حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع) أنه قال لرجل يا فلان مالك ولأخيك قلت جعلت فداك لي عليه شيء فاستقصيت حقي عنه قال أبو عبد الله (ع) أخبرني عن قول الله سبحانه ويخافون سوء الحساب أتراهم خافوا أن يجور عليهم أو يظلمهم لا والله ولكن خافوا الاستقصاء والمداقة.
{والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} أي الذين صبروا على القيام بما أوجبه الله عليهم وعلى بلاء الله من الأمراض والعقوبة وغير ذلك وعن معاصي الله سبحانه لطلب ثواب الله تعالى لأن ابتغاء وجه الله هو ابتغاء الله وابتغاء الله يكون ابتغاء ثوابه تقول العرب في تعظيم الشيء هذا وجه الرأي وهذا نفس الرأي للرأي المعظم فكذلك وجه ربهم هو نفسه المعظم فلا شيء أعظم منه ولا شيء يساويه في العظم وقيل إن ذكرالوجه هنا عبارة عن الإخلاص وترك الرياء.
{وأقاموا الصلاة} أي أدُّوها بحدودها وقيل داموا على فعلها {وأنفقوا مما رزقناهم سرّاً وعلانية} أي: ظاهراً وباطناً {ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي يدفعون بفعل الطاعة المعصية. قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح السيىء من العمل كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل:
"إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل معناه يدفعون إساءة من أساء إليهم بالإحسان والعفو ولا يكافئون كقوله سبحانه { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } [المؤمنون: 96] عن قتادة وابن زيد والقتيبي. قال الحسن إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا. وقيل معناه يدفعون بالتوبة معرة الذنب عن ابن كيسان.
{أولئك} يعني أن هؤلاء الذين هذه صفاتهم {لهم عقبى الدار} أي ثواب الجنة فالدار الجنة وثوابها عقباها التي هي العاقبة المحمودة عن ابن عباس والحسن ثم وصف الدار فقال {جنات عدن} أي بساتين إقامة تدوم ولا تفنى وقيل هي الدرجة العليا وسكانها الشهداء والصديقون عن ابن عباس. وقيل هي مدينة في الجنة فيها الأنبياء والأئمة والشهداء عن الضحاك وقيل قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حاكم عدل عن الحسن وعبد الله بن عمر.
ثم بيَّن سبحانه ما يتكامل به سرورهم من اجتماع قومهم معهم فقال {يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} أي أولادهم يعني من آمن منهم وصدَّق بما صدَّقوا به وذلك أن الله سبحانه جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال
{ ألحقنا بهم ذريتهم } [الطور: 21] عن ابن عباس ومجاهد {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} من أبواب الجنة الثمانية وقيل من كل باب من أبواب البر كالصلاة والزكاة والصوم وقيل من أبواب قصورهم وبساتينهم بالتحية من الله سبحانه والتحف والهدايا عن ابن عباس ويقولون {سلام عليكم بما صبرتم} والقول محذوف لدلالة الكلام عليه والسلام والتحية والبشارة منهم بالسلامة والكرامة وانتفاء كل أمر تشوبه مضرة أي سلمكم الله من الأهوال والمكاره بصبركم على شدائد الدنيا ومحنها في طاعة الله تعالى {فنعم عقبى الدار} أي نعم عاقبة الدار ما أنتم فيه من الكرامة.