التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ
٣٨
يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ
٣٩
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ
٤٠
-الرعد

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل البصرة وابن كثير وعاصم يثبت بالتخفيف وقرأ الباقون يثبِّت بالتشديد.
الحجة: قال أبو علي المعنى يمحو ما يشاء ويثبته فاستغني بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني ومثل ذلك
{ والحافطين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات } [الأحزاب: 35] وزعم سيبويه أن من العرب من يعمل الأول من الفعلين ولا يعمل الثاني في شيء من كلامهم كقولهم متى رأيت أو قلت زيداً منطلقاً قال الكميت:

بـِـأَيِّ كِتــابٍ أَمْ بـِـأَيـَّـةِ سُنَّــــةٍ تَرى حُبَّهُمْ عاراً عَلَيَّ وَتَحْسَبُ

فلم يعمل الثاني وهذا والله أعلم فيما يحتمل النسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقاف فأما غير ذلك فلا يمحى ولا يبدل, وحجة من قال يُثَبِّت قوله وأشدُّ تثبيتاً, وحجة من قرأ يُثْبِت ما روي عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أثبتها وقوله: {ثابت} لأن ثبت مطاوع أثبت.
النزول: قال ابن عباس عيَّروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة تزويج النساء وقالوا لو كان نبياً لشغلته النبوة عن تزويج النساء فنزلت الآية {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك}.
المعنى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك} يا محمد {وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} أي نساء وأولاداً أكثر من نسائك وأولادك وكان لسليمان (ع) ثلاث مائة امرأة مهيرة وسبعمائة سرية ولداود (ع) مائة امرأة عن ابن عباس, أي فلا ينبغي أن يستنكر منك أن تتزوج ويولد لك وروي أن أبا عبد الله (ع) قرأ هذه الآية ثم أومى إلى صدره فقال نحن والله ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} أي لم يكن لرسول يرسله الله أن يجيء بآية ودلالة إلا بعد أن يأذن في ذلك ويطلق له فيه {لكل أجل كتاب} ذكر فيه وجوه أحدها: أن معناه لكل أجل مقدر كتاب أثبت فيه ولا تكون آية إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب على وجه ما يوجبه التدبير فالآية التي اقترحوها لها وقت أجله الله لا على شهواتهم واقتراحاتهم عن البلخي والثاني: لكل أمر قضاه الله كتاب كتبه فيه فهو عنده كأجل الحياة والموت وغير ذلك عن أبي علي الجبائي والثالث: أنه من المقلوب والمعنى لكل كتاب ينزل من السماء أجل ينزل فيه عن ابن عباس والضحاك, ومعناه لكل كتاب وقت يعمل به فللتوراة وقت وللإنجيل وقت وكذلك القرآن.
{يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} قيل في المحو والإثبات أقوال أحدها: أن ذلك في الأحكام من الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس وقتادة وابن زيد وابن جريج وهو اختيار أبي علي الفارسي والثاني: أنه يمحو من كتاب الحفظة المباحات وما لا جزاء فيه ويثبت ما فيه الجزاء من الطاعات والمعاصي عن الحسن والكلبي والضحاك عن ابن عباس والجبائي والثالث: أنه يمحو ما يشاء من ذنوب المؤمنين فضلاً فيسقط عقابها ويثبت ذنوب من يريد عقابه عدلاً عن سعيد بن جبير الرابع: أنه عام في كل شيء فيمحو من الرزق ويزيد فيه ومن الأجل ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي وائل وقتادة.
وأم الكتاب أصل الكتاب الذي أثبت فيه الحادثات والكائنات وروى أبو قلابة عن ابن مسعود أنه كان يقول اللهم إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء واثبتني في السعداء فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. وروي مثل ذلك عن أئمتنا (ع) في دعواتهم المأثورة. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هما كتابان كتاب سوى أم الكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وأم الكتاب لا يغير منه شيء, ورواه عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم, وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر: قال سألته عن ليلة القدر. فقال: ينزل الله فيها الملائكة والكتبة إلى السماء الدنيا فيكتبون ما يكون من أمر السنة وما يصيب العباد وأمر ما عنده موقوف له في المشيئة فيقدّم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ويثبت وعنده أم الكتاب.
وروى الفضيل قال سمعت أبا جعفر (ع) يقول العلم علمان علم علَّمه ملائكته ورسله وأنبياءه وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحد يحدث فيه ما يشاء وروى زرارة عن حمران عن أبي عبد الله (ع) قال هما أمران موقوف ومحتوم فما كان من محتوم أمضاه وما كان من موقوف فله فيه المشيئة يقضي فيه ما يشاء.
والخامس: أنه في مثل تقتير الأرزاق والمحن والمصائب يثبته في أم الكتاب ثم يزيله بالدعاء والصدقة وفيه حثٌّ على الانقطاع إليه سبحانه والسادس: أنه يمحو بالتوبة جميع الذنوب ويثبت بدل الذنوب حسنات يبينه قوله:
{ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأُولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } [الفرقان: 70] عن عكرمة والسابع: أنه يمحو ما يشاء من القرون ويثبت ما يشاء منها كقوله: { ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين } [المؤمنون: 31] وقوله: { كم أَهلكنا قبلهم من القرون } [طه: 128] وروي ذلك عن (ع) والثامن: أنه يمحو ما يشاء يعني القمر ويثبت يعني الشمس وبيانه { فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة } [الإسراء: 12] عن السدي.
وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي لا يغيّر ولا يبدّل لأن الكتب المنزلة انتسخت منه فالمحو والإثبات إنما يقع في الكتب المنتسخة لا في أصل الكتاب عن أكثر المفسرين. وقيل إن ابن عباس سأل كعباً عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون فقال لعلمه كن كتاباً فكان كتاباً. وقيل: إنما سمي أم الكتاب لأنه الأصل الذي كتب فيه أو سيكون كذا وكذا لكل ما يكون فإذا وقع كتب أنه قد كان ما قيل إنه سيكون والوجه في ذلك ما فيه من المصلحة والاعتبار لمن تفكر فيه من الملائكة الذي يشاهدونه إذا قابلوا ما يكون بما هو مكتوب فيه وعلموا أن ما يحدث على كثرته قد أحصاه الله تعالى وعلمه قبل أن يكون مع أن ذلك أهول في الصدور وأعظم في النفوس حتى كان من تصوره وفكر فيه شاهداً له.
{وإن ما نرينك} يا محمد {بعض الذي نعدهم} أي نعد هؤلاء الكفار من نصر المؤمنين عليهم بتمكينك منهم بالقتل والأسر واغتنام الأموال {أو نتوفينك} أي ونقبضنك إلينا قبل أن نريك ذلك وبيَّن بهذا أنه يكون بعض ذلك في حياته وبعضه بعد وفاته أي فلا تنتظر أن يكون جميع ذلك في أيام حياتك وأن يكون مما لا بدَّ أن تراه {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} أي عليك أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم وتقول بما أمرناك بالقيام به وعلينا حسابهم ومجازاتهم والانتقام منهم إما عاجلاً وإما آجلاً وفي هذه دلالة على أن الإسلام سيظهر على سائر الأديان ويبطل الشرك في أيامه وبعد وفاته وقد وقع المخبر به على وفق الخبر.
النظم: اتصلت الآية الأولى بما تقدمها من قولهم لولا أنزل عليه آية من ربه فبيَّن سبحانه أنه بشر كما أن الرسل الذين كانوا قبله كانوا بشراً والبشر لا يقدر على الآيات بل إنما يأتي الله سبحانه بها إذا اقتضت المصلحة ذلك عن أبي مسلم وقيل إنه لم تقدَّم ذكر إرساله بيَّن سبحانه أنه أرسل قبله بشراً كما أرسله فحاله مثل حالهم عن القاضي وإنما اتصلت الآية الثانية بقوله: {لكل أجل كتاب} لأن الظاهر اقتضى أن يكون كل مكتوب لا يجوز محوه فبيَّن سبحانه أنه يمحو ما يشاء ويثبت لئلا يتوهم أن المعصية مثبتة مع التوبة كما أنها كذلك قبل التوبة عن علي بن عيسى.
وقيل لما نزلت وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله قالت قريش ما نراك يا محمد تملك شيئاً فلقد فرغ من الأمر فأنزل هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم إنا لو شئنا أحدثنا ما أمرنا ما شئنا ونمحو ونثبت في ليلة القدر ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم عن مجاهد وإنما اتصل قوله: {وإن ما نرينك} الآية بما قبله من وعيد الله بالعذاب فبيَّن سبحانه أنه يفعل ذلك لا محالة إما في حياته أو بعد وفاته بشارة له وقيل إنه لما تقدَّم أن لكل أجل كتاباً بيَّن أن لعذابهم وقتاً سيفعله فيه لا محالة إما في حياته أو بعد وفاته.