التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٤
وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥
وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
١٦
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
١٧
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨
-النحل

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: في الشواذ قراءة الحسن وبالنجم بضم النون.
الحجة: هو جمع نجم مثل سقف وسقف ورهن ورهن.
اللغة: المخر شق الماء من عن يمين وشمال مخرت السفينة الماء تمخر مخراً فهي ماخرة والمخر أيضاً صوت هبوب الريح إذا اشتد هبوبها ومخر الأرض شقها للزراعة ومخرها بالماء إذا أرسل عليها الماء لتطيب, والميد الميل يميناً وشمالاً وهو الاضطراب ماد يميد ميداً والعلامة صورة يعلم بها المعنى من خط أو لفظ أو إشارة أو هيئة وقد تكون وضعية وقد تكون برهانية.
الإعراب: قوله: {أن تميد بكم} في موضع نصب بأنه مفعول له وتقديره كراهة أن تميد بكم وانتصب قوله: {وأنهاراً وسبلاً} بمحذوف تقديره وجعل لكم أنهاراً لدلالة قولـه: {ألقى} عليه لأنه لا يجوز أن يكون عطفاً على ألقى ومثله قوله:

عَلَّفْتُهــا تِبْنــاً وَمــاءً بــارِداً

وقول الآخر:

تَسْمَعُ فِي أجْوافِهِنَّ صَرَدا وَفِـي الْيَدَيْنِ جُسْأَةً وَبَدَدا

أي وترى في اليدين يبساً وتفرقاً وعلامات منصوب عطف على قوله: {وأنهاراً وسبلاً} وقيل: وخلق لكم علامات.
المعنى: ثم عددَّ سبحانه نوعاً آخر من أنواع نعمه فقال: {وهو الذي سخر البحر} أي ذلَّله لكم وسهل لكم الطريق إلى ركوبه واستخراج ما فيه من المنافع {لتأكلوا منه لحماً} أي لتصطادوا منه أنواع السمك وتأكلوا لحمه {طرياً} ولا يجوز أن يهمز طرياً لأنه من الطراوة {وتستخرجوا منه حلية} يعني اللالىء التي تخرج من البحر بالغوص {تلبسونها} وتتزينون بها وتلبسونها نساءكم ولولا تسخيره سبحانه ذلك لكم لما قدرتم على الدنو منه والغوص فيه.
{وترى الفلك مواخر فيه} أي وترى أيها الإنسان السفن شواق في البحر وقواطع لمائه عن عكرمة وقيل جواري عن ابن عباس {ولتبتغوا من فضله} أي ولتركبوه للتجارة وتطلبوا من فضل الله تعالى: {ولعلكم تشكرون} أي ولكي تشكروا الله على نعمه ليزيدكم منها ويثيبكم والواو إنما دخلت في ذلك للدلالة على أن الله سبحانه أراد جميع ما ذكره إنعاماً منه على عباده.
{وألقى في الأرض رواسي} أي جبالاً عالية ثابتة واحدها راسية {أن تميد بكم} الأرض أي كراهة أن تميد بكم أو لئلا تميد بكم أي تتحرك وتضطرب {وأنهاراً} أي وجعل فيها أنهاراً {وسبلاً} أي طرقاً لكي تجروا الماء في الأنهار إلى بساتينكم وحيث تريدون وتهتدوا بالطرق إلى حيث شئتم من البلاد وقيل أراد بالأنهار النيل والفرات ودجلة وسيحان وجيحان وأمثالها: {لعلكم تهتدون} قد ذكرنا معناه وقيل لتهتدوا بها إلى توحيد الله.
{وعلامات} وجعل لكم علامات معالم تعلم بها الطرق وقيل العلامات الجبال يهتدى بها نهاراً {وبالنجم هم يهتدون} ليلاً عن ابن عباس والمراد بالنجم الجنس أي جميع النجوم الثابتة وقيل تمَّ الكلام عند قوله: {وعلامات} ثم ابتدأ وبالنجم هم يهتدون وقيل إن العلامات هي النجوم أيضاً لأن من النجوم ما يهتدى بها ومنها ما يكون علامات لا يهتدى بها عن قتادة ومجاهد وقيل أراد به الاهتداء في القبلة. قال ابن عباس: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال:
"الجدي علامة قبلتكم وبه تهتدون في برَّكم وبحركم" وقال أبو عبد الله (ع) نحن العلامات والنجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الله جعل النجوم أماناً لأهل السماء وجعل أهل بيتي أماناً لأهل الأرض.
{أفمن يخلق كمن لا يخلق} معناه أفمن يخلق هذه الأشياء في استحقاق العبادة والإلهية كالأصنام التي لا تخلق شيئاً حتى يسوّى بينها في العبادة وبين خالق جميع ذلك {أفلا تذكرون} أي أفلا تتذكرون أيها المشركون فتعتبرون وتعرفون أن ذلك من الخطأ الفاحش وجعل من فيما لا يعقل لما اتصل بذكر الخلق ثم عطف سبحانه على ذلك تذكر كثرة نعمه فقال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} معناه وإن أردتم تعداد نعم الله سبحانه عليكم ومعرفة تفاصيلها لم يمكنكم إحصاؤها ولا تعديدها وإنما يمكنكم أن تعرفوا جملها بيَّن سبحانه أن من وراء النعم التي ذكرها نعماً له لا تحصى {إن الله لغفور} لما حصل منكم من تقصير في شكر نعمه {رحيم} بكم حيث لم يقطعها عنكم بتقصيركم في شكرها.