التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً
٤١
قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً
٤٢
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً
٤٣
تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً
٤٤
-الإسراء

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم لِيَذْكروا ساكنة الذال خفيفة وفي سورة الفرقان مثله والباقون ليذكروا بفتح الذال والكاف وتشديدهما في السورتين وقرأ كما يقولون بالياء يسبح له بالياء أهل المدينة والشام وأبو بكر, وقرأ أهل البصرة كما تقولون بالتاء عما يقولون بالياء تسبح له بالتاء وقرأ حفص كما يقولون عما يقولون بالياء تسبح بالتاء وقرأ الجميع بالياء ابن كثير, وقرأ الجميع بالتاء حمزة والكسائي وخلف.
الحجة: قال أبو علي حجة من قال ليذكروا قوله
{ ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون } [القصص: 51] فالتذكر هنا أشبه من الذكر لأنه كان يراد به التدبر وليس يراد الذكر الذي هو ضد النسيان ولكنه كما قال { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب } [ص: 29] وليس المراد ليتذكروه بعد نسيانهم بل المراد ليتدبروه بعقولهم ووجه التخفيف أن التخفيف قد جاء في هذا المعنى خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه فهذا ليس على معنى لا تنسوه ولكن تدبروه ومن قرأ كما يقولون بالياء فالمعنى كما يقول المشركون من إثبات الآلهة من دونه فهو مثل قوله تعالى { قل للذين كفروا ستغلبون } [آل عمران: 12] لأنهم غيب.
فأما من قرأ سبحانه وتعالى عما يقولون فإنه يحتمل وجهين أحدهما: أن يعطف على كما يقولون والآخر: أن يكون نزَّه سبحانه نفسه عن دعوتهم قال سبحانه وتعالى عما يقولون ومن قرأ كما تقولون بالتاء وعما يقولون بالياء فإن الأول على ما تقدم والثاني على أنه نزَّه نفسه عن قولهم ويجوز أن تحمله على القول كأنه قال قل أنت سبحانه وتعالى عما يقولون وأما قوله: {تسبح له السماوات} فكل واحد من الياء والتاء حسن.
المعنى: ثم احتج سبحانه على الذين تقدَّم ذكرهم فقال {ولقد صرفنا} أي كرَّرنا الدلائل وفصَّلنا المعاني والأمثال وغير ذلك مما يوجب الاعتبار به {في هذا القرآن ليذكروا} أي ليتفكروا فيها فيعلموا الحق وحذف ذكر الدلائل والعبر لدلالة الكلام عليه وعلم السامع به {وما يزيدهم إلا نفوراً} أي وما يزداد هؤلاء الكفار عند تصريف الأمثال والدلائل لهم إلا تباعداً عن الاعتبار ونفوراً عن الحق وأضاف النفور إلى القرآن لأنهم ازدادوا النفور عند نزوله كقوله:
{ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً } [نوح: 6].
فإن قيل إذا كان المعلوم أنهم يزدادون النفور عند إنزال القرآن فما المعنى في إنزاله وما وجه الحكمة فيه قيل الحكمة فيه إلزام الحجة وقطع المعذرة في إظهار الدلائل التي تحسن التكليف وأنه يصلح عند إنزاله جماعة ما كانوا يصلحون عند عدم إنزاله ولو لم ينزل لكان هؤلاء الذين ينفرون عن الإيمان يفسدون بفساد أعظم من هذا النفور فالحكمة اقتضت إنزاله لهذه المعاني وإنما ازدادوا نفوراً عند مشاهدة الآيات والدلائل لاعتقادهم أنها شبه وحيل وقلة تفكرهم فيها.
{قل} يا محمد لهؤلاء المشركين {لو كان معه آلهة كما يقولون} هم أو تقولون أنتم على القراءتين {إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} أي لطلبوا طريقاً يقربهم إلى مالك العرش والتمسوا الزلفة عنده لعلمهم بعلوّه عليهم وعظمته عن مجاهد وقتادة وقال أكثر المفسرين معناه لطلبوا سبيلاً إلى معازَّة مالك العرش ومغالبته ومنازعته فإن المشتركين في الإلهية يكونان متساويين في صفات الذات ويطلب أحدهما مغالبة صاحبه ليصفو له الملك وفي هذا إشارة إلى دليل التمانع.
ثم نزَّه سبحانه نفسه من أن يكون له شريك في الإلهية فقال {سبحانه وتعالى عما يقولون} أي عن قولهم {علواً كبيراً} وإنما لم يقل تعالياً كبيراً لأنه وضع مصدر مكان مصدر نحوه قولـه
{ تبتل إليه تبتيلاً } [المزمل: 8] ومعنى تعالى أن صفاته في أعلى المراتب ولا مساوي له فيها لأنه قادر لا أحد أقدر منه وعالم لا أحد أعلم منه وخصَّ العرش بإضافته إليه تعظيماً للعرش ويجوز أن يريد بالعرش الملك.
{تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} معنى التسبيح ها هنا الدلالة على توحيد الله وعدله وأنه لا شريك له في الإلهية وجرى ذلك مجرى التسبيح باللفظ وربما يكون التسبيح من طريق الدلالة أقوى لأنه يؤدي إلى العلم {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} أي ليس شيء من الموجودات إلا ويسبح بحمد الله تعالى من جهة خلقته إذ كل موجود سوى القديم حادث يدعو إلى تعظيمه لحاجته إلى صانع غير مصنوع صنعه أو صنع من صنعه فهو يدعو إلى تثبيت قديم غني بنفسه عن كل شيء سواه ولا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات وقيل إن معناه وما من شيء من الأحياء إلا يسبح بحمده عن الحسن وقيل إن كل شيء على العموم من الوحوش والطيور والجمادات يسبح الله تعالى حتى صرير الباب وخرير الماء عن إبراهيم وجماعة.
{ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي لا تعلمون تسبيح هذه الأشياء حيث لم تنظروا فيها فتعلموا كيف دلالتها على توحيده {إنه كان حليماً} يمهلكم ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفركم غفوراً لكم إذا تبتم وأنبتم إليه.