التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً
٨٣
فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً
٨٤
يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً
٨٥
وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً
٨٦
لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً
٨٧
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً
٨٨
لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً
٨٩
تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً
٩٠
أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً
٩١
وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً
٩٢
-مريم

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: في الشواذ رواية قتادة عن الحسن يحشر المتقون ويساق المجرمون قال فقلت إنها بالنون يا أبا سعيد قال وهي للمتقين إداً وقراءة السلمي شيئاً أدَّاً بفتح الهمزة, وقرأ أبو جعفر وابن كثير وحفص تكاد بالتاء يتفطرن بالتاء وفتح الطاء مشددة وفي عسق ومثله وقرأ نافع والكسائي يكاد بالياء يتفطرن في السورتين, وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وهبيرة عن حفص ويعقوب تكاد بالتاء ينفطرن بالياء والنون وكسر الطاء في السورتين, وقرأ ابن عامر وحمزة وخلف ها هنا تكاد بالتاء ينفطرن بالنون مثل أبي عمرو وفي عسق تكاد بالتاء يتفطرن بالتاء أيضاً.
الحجة: حجة من قرأ يحشر ويساق قوله تعالى:
{ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً } [الزمر: 71] والأدُّ بالفتح القوة قال:

نَضَــوْتَ عَنّـي شَـرِةً وَأدّا

فعلى هذا يمكن أن يكون المعنى لقد جئتم شيئاً ذا أدٍ أي ذا قوة وإن شئت وصفته بالمصدر كقولهم رجل عدل وضيف والانفطار مطاوعة الفطر يقال فطره فانفطر والتفطر مطاوعة التفطير يقال فطرته فتفطر وكأنه أليق بهذا الموضع لما فيها من معنى المبالغة وتكرير الفعل وذهب أبو الحسن في معنى قوله تكاد السماوات إلى أن معنى تكاد تريد وكذلك قال في قوله كذلك كدنا ليوسف أي أردنا له وأنشد:

كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيـرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِنْ ذِكْرِ الصَّبابَةِ ما مَضى

وكذلك قولـه في أكاد أخفيها أي أريد أخفيها وعلى هذا فسرَّ غيره قول الأفوه:

فـَـإِنْ تَجمَّـع أَوْتــادٌ وَأَعْمِـدَةٌ وَساكِنٌ بَلَغُوا الأمْرَ الَّذي كادُوا

أي أرادوا قال المعنى يردن لا أنهن ينفطرن ولا يدنون من ذلك ولكن من هممن به إعظاماً لقول المشركين ولا يكون على من همَّ بالشيء أن يدنو منه ألا ترى أن رجلاً لو أراد أن ينال السماء لم يدن من ذلك وقد كانت منه إرادة وقد قال بعض المتأولين في قولـه تكاد السماوات يتفطرن منه هدّاً مثل كانت العرب إذا سمعت كذباً أو منكراً تعاظمته وعظمته بالمثل الذي عندها عظيماً فقالت كادت الأرض تنشق وأظلم علي ما بين السماء والأرض فلما افتروا على الله الكذب ضرب مثل كذبهم بأهول الأشياء وأعظمها قال أبو علي ومما يقرب من هذا قول الشاعر:

أَلَمْ تـَـرَ صَدْعـاً في السَّماءِ مُبَيِّناً عَلى ابْنِ لُبَيْنَى الحـارِثِ بْنِ هِشــامِ

وقول الآخر:

وَأَصْبـَـحَ بَطـْـنُ مَكَّـةَ مُقْشَــــعرّاً كَأَنَّ الأَرْضَ لَيـْـسَ بِها هِشـــامُ

وقال الآخر:

لمّا أَتى خَبَــرُ الزُّبَيْــرِ تَواضَعــَتْ سُــورُ المدِينَـةِ وَالجِبـالُ الخُشَّــعُ

اللغة: الإزّ الإزعاج إلى الأمر يقال أزّه يأزّه وأزيزاً إذا هزَّه بالإزعاج إلى أمر من الأمور وأزَّت القِدر أزيزاً إذا غلت ومنه الحديث أنه كان يصلي وأزيز جوفه كأزيز المرجل من البكاء وأززت الشيء إلى الشيء ضممته إليه والوفد جمع وافد وقد يجمع وفوداً أيضاً وَفَد يَفِد وفداً وأوفد على الشيء أشرف عليه والسَوْق الحثُّ على السير ساقه يسوقه سوقاً ومنه الساق لاستمرار السير بها أو لأن القدم يسوقها ومنه السُوق لأنه يساق بها البيع والشرى شيئاً بعد شيء والورد الجماعة التي ترد الماء يقال ورد الماء يرد ورداً والإدّ الأمر العظيم قال الراجز:

قَدْ لَقِيَ الأَعْدَاءُ مِنّي نُكْرا داهِيـَةً دَهْيـــاءَ إدّاً إمــرا

والانفطار الانشقاق والتفطر التشقق والهد الهدم بشدة صوت.
الإعراب: تؤزهم جملة في موضع الحال ومفعول نعد لهم محذوف والتقدير نعد أعمالهم عداً ويوم نحشر ظرف قوله نعد لهم ويجوز أن ينتصب بقوله لا يملكون الشفاعة أي لا يملكون في ذلك اليوم وفداً منصوب على الحال من المتقين أي وافدين وورداً كذلك أي واردين إلا من اتخذ هو موصول وصلة في موضع رفع لأنه بدل من الواو في يملكون ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه استثناء منقطع فإنَّ من اتخذ عند الرحمان عهداً لا يكون من المجرمين, وقوله تنشق الأرض جملة معطوفة على الجملة التي قبلها وتقديره وتكاد الأرض تنشق والجبال تخرُّ وهذا منصوب على المصدر في المعنى تقديره تخرُّ خروراً وتهد هدّاً ويجوز أن يكون في موضع الحال وأن دعوا مفعول له والتقدير لأن دعوا أي لأجل ذلك.
المعنى: ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال {ألم تر} يا محمد {أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين} أي خلينا بينهم وبين الشياطين إذا وسوسوا إليهم ودعوهم إلى الضلال حتى أغووهم ولم نحل بينهم وبينهم بالإلجاء ولا بالمنع, وعبّر عن ذلك بالإرسال على سبيل المجاز والتوسع كما يقال لمن خلى بين الكلب وغيره أرسل كلبه عليه عن الجبائي. وقيل: معناه سلَّطناهم عليهم ويكون في معنى التخلية أيضاً على ما ذكرناه.
{تؤزهم أزاً} أي تزعجهم إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية عن ابن عباس. وقيل: تغريهم إغراء بالشر تقول امض امض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار عن سعيد بن جبير.
{فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا} معناه فلتطب نفسك يا محمد ولا تستعجل لهم العذاب فإن مدة بقائهم قليلة فإنا نعد لهم الأيام والسنين وما دخل تحت العد فكان قد نفد. وقيل: معناه نعدُّ أنفاسهم في الدنيا فهي معدودة إلى الأجل الذي أجلناه لعذابهم عن ابن عباس, وهذا من أبلغ الوعيد. وقيل: معناه نعد أعمالهم على ما ذكرناه قبل.
{يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفداً} أي اذكر لهم يا محمد اليوم الذي نجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته واجتنب معاصيه إلى الرحمان أي إلى جنته ودار كرامته وفوداً وجماعات عن الأخفش. وقيل: ركباناً يؤتون بنوق لم ير مثلها عليها رحائل الذهب وأزمتها الزبرجد فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة عن أمير المؤمنين (ع) وابن عباس {ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} أي ونحثُّ المجرمين على المسير إلى جهنم عطاشاً كالإبل التي ترد عطاشا مشاة على أرجلهم عن ابن عباس والحسن وقتادة, وسمى العطاش ورداً لأنهم يردون لطلب الماء. وقيل: الورد النصيب أي هم نصيب جهنم من الفريقين والمؤمنون نصيب الجنة عن أبي مسلم.
{لا يملكون الشفاعة} أي لا يقدرون على الشفاعة فلا يشفعون ولا يشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض لأن ملك الشفاعة على وجهين أحدهما: أن يشفع للغير والآخر: أن يستدعي الشفاعة من غيره لنفسه فبيَّن سبحانه أن هؤلاء الكفار لا تنفذ شفاعة غيرهم فيهم ولا شفاعة لهم لغيرهم.
ثم استثنى سبحانه فقال {إلا من اتخذ عند الرحمان عهداً} أي لا يملكون الشفاعة إلا هؤلاء. وقيل: لا يشفع إلا لهؤلاء والعهد هو الإيمان والإقرار بوحدانية الله تعالى وتصديق أنبيائه. وقيل: هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن يتبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله عن ابن عباس. وقيل: معناه لا يشفع إلا من وعد له الرحمان بإطلاق الشفاعة كالأنبياء والشهداء والعلماء والمؤمنين على ما ورد به الأخبار.
وقال علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره: حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن سليمان بن جعفر (ع) عن أبي عبد الله (ع) عن أبيه عن آبائه (ع) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصاً في مروءته قيل يا رسول الله وكيف يوصي الميت قال: إذا حضرته وفاته واجتمع الناس إليه قال اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم إني أعهد إليك في دار الدنيا إني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبدك ورسولك وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق والحساب حق والقدر والميزان حق وأن الدين كما وصفت وأن الإسلام كما شرعت وأن القول كما حدثت بأن القرآن كما أنزلت وأنك أنت الله الحق المبين جزى الله محمداً عنا خير الجزاء وحيا الله محمداً وآله بالسلام اللهم يا عدتي عند كربتي ويا صاحبي عند شدتي ويا ولي نعمتي وإلهي وإله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فإنك إن تكلني إلى نفسي أقرب من الشر وأبعد من الخير وآنس في القبر وحشتي واجعل له عهداً يوم ألقاك منشوراً ثم يوصي بحاجته وتصديق هذه الوصية في سورة مريم في قوله لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان عهداً فهذا عهد الميت والوصية حق على كل مسلم وحق عليه أن يحفظ هذه الوصية ويعلمها" .
وقال أمير المؤمنين علي (ع) علمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال علمنيها جبرائيل (ع) {وقالوا اتخذ الرحمان ولداً} هذا إخبار عن اليهود والنصارى ومشركي العرب فإن اليهود قالوا عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال مشركو العرب الملائكة بنات الله {لقد جئتم شيئاً إدّاً} ها هنا حذف تقديره قل لهم يا محمد لقد جئتم بشيء منكر عظيم شنيع فظيع فلما حذف الباء وصل الفعل إليه فنصبه.
{تكاد السماوات يتفطرن منه} أي أرادت السماوات أن تنشق فعظم فريتهم إعظاماً لقوله ومعناه لو انشقت السماوات بشيء عظيم لكانت تنشق من هذا {وتنشق الأرض} أي وكادت الأرض تنشق {وتخر الجبال} أي كادت الجبال تسقط {هداً} أي كسراً شديداً عن ابن عباس. وقيل: هدماً عن عطاء {أن دعوا للرحمان ولداً} أي لأن دعوا للرحمان ولداً أو من دعوا للرحمان ولداً أي بسبب دعوتهم أو مسميتهم له ولداً {وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً} أي ما يصلح للرحمان ولا يليق به اتخاذ الولد وليس من صفته ذلك لأن إثبات الولد له يقتضي حدوثه وخروجه من صفة الإلهية واتخاذ الولد يدل على الحاجة تعالى عن ذلك وتقدس.