التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٢٢٤
-البقرة

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: يقال لكل من يصلح للشيء هو عرضة لـه والمرأة عرضة للنكاح والدابة المُعَدّة للسفر عرضة لـه وقال الشاعر:

فَهذي لأَيَّامِ الحُرُوبِ وهَذِه لِلَـهْوِي وَهذي عُرْضَةٌ لارْتِحالنا

أي عدّة وقال أبو العباس العرضة الاعتراض في الخير والشر واليمين والقسم والحلف واحد وقيل أخذ مِن القوة لأنه يتقوى به على ما يحلف عليه ومنه قولـه:

تَلَقَّــاهـــا عَرَابَــةُ بِاليَمِـيــنِ

وقيل أخذ من الجارحة لأنهم كانوا عند الإيمان يضربون أيديهم فسمي الحلف بذلك وقيل أخذ من اليُمن الذي هو البركة لأنه عقد خير يتبرك بذكره للتأكيد.
الإعراب: قولـه {أن تبروا} في موضعه ثلاثة أقوال أحدها: ان موضعه جرّ بحذف اللام عن الخليل. قال أبو علي: جاز أن يكون المصدر الذي هو أن مع الفعل في موضع جر وإن لم يجز ذلك في غير أَنْ لأمرين أحدهما: أن الكلام قد طال بالصلة فحسن الحذل والآخر: أنَّ أن حرف وإذا حذف اللام صار كأنّ حرفاً كان قد أقيم مقام حرف فعاقَبَهُ فلـهذا حسن حذف اللام مع أنْ دون المصدر غير الموصول في اللفظ بالفعل. وأقول عنى بذلك أنك إذا قلت جئتك لضرب زيد لم يجز أَن تحذف اللام فتقول جئتك ضرب زيد وإذا قلت جئتك لأن تضرب زيداً جاز أن تحذف اللام فتقول جئتك أن تضرب زيداً.
والثاني: أن موضعه النصب لأنه لما حذف الجار وصل الفعل وهو قول سيبويه وهو القياس. وأقول على القولين جميعاً فيكون تقديره لأن لا تبروا على النفي أو لأن تبروا على الإثبات فعلى القول الأول وهو النفي يكون في موضع النصب بأنه مفعول لـه، وعلى القول الثاني وهو الإثبات يجوز أن يكون مفعولاً لـه ويجوز أن يكون في محل النصب على الحال والعامل فيه ما في قولـه لإيمانكم من معنى الفعل تقديره لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم كائنة لأن تبروا أي لبركم وذو الحال الإيمان.
والثالث: ما قالـه قوم أن موضعه رفع تقديره أن تبروا وتتقوا أولى فحذف الخبر الذي هو أولى لأنه معلوم المعنى.
النزول: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن يدخل على ختنه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين امرأته فكان يقول إني حلفت بهذا فلا يحل لي أن أفعلـه فنزلت الآية.
المعنى: لما بيّن سبحانه أحوال النساء وما يحل منهن عقَّبه بذكر الإيلاء وهو اليمين التي تحرم الزوجة فابتدأ بذكر الإيمان أولاً تأسيساً لحكم الإيلاء فقال {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم}.
وفي معناه ثلاثة أقوال أحدها: أن معناه لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة لكم من البر والتقوى من حيث تعتمدونها بها وتقولوا حلفنا بالله ولم تحلفوا به عن الحسن وطاووس وقتادة، وأصلـه في هذا الوجه الاعتراض الذي هو المانع بينكم وبين البر والتقوى لأن المعترض بين الشيئين يكون مانعاً من وصول أحدهما إلى الآخر فالعلة مانعة كهذا المعترض.
والثاني: إن عرضة معناه حجة فكأنه قال لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع من البر والتقوى فإن كان قد سلف منكم يمين ثم ظهر أن غيرها خير منها فافعلوا الذي هو خير ولا تحتجّوا بما قد سلف من اليمين عن ابن عباس ومجاهد والربيع، وأصلـه في هذا القول والأول واحد لأنه منع من جهة الاعتراض لعلة أو حجة.
والثالث: أن معناه لا تجعلوا اليمين بالله عدة مبتذلة في كل حق وباطل لأن تبروا في الحلف بها وتتقوا المآتم فيها عن عائشة لأنها قالت لا تحلفوا به وإن بررتم وبه قال الجبائي وأبو مسلم وهو المروي عن أئمتنا نحو ما رواه عثمان بن عيسى عن أبي أيوب الخزاز قال سمعت أبا عبد الله يقول: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فإنه سبحانه يقول {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} قال أبو مسلم ومن أكثر شيء في معنى فقد جعلـه عرضة لـه وتقول جعلتني عرضة لقومك قال الشاعر:

ولا تجعليني عرضة للوائمِ

وتقديره على الوجه الأول والثاني لا تجعلوا الله معاناً من البر والتقوى باعتراضك به حالفاً وعلى الوجه الثالث لا تجعلوا الله مما تحلف به دائماً باعتراضك بالحلف به في كل حق وباطل وقولـه {أن تبروا} قيل في معناه أقوال الأول: لأن تبروا على معنى الإثبات أي لأن تكونوا بررة أتقياء فإن من قلَّت يمينه كان أقرب إلى البر ممن كثرت يمينه وقيل لأن تبروا في اليمين والثاني: أن المعنى لدفع أن تبروا أو لترك أن تبروا فحذف المضاف عن المبرد والثالث: أن معناه أن لا تبروا فحذف لا عن أبي عبيدة قال: وقد حذف لا لأنه في معنى القسم كقول امرئ القيس:

فقلت يمين الله أبرح قاعداً

أي لا أبرح وأنكر المبرد هذا لأنه لما كان معه أنْ بطل أن يكون جواباً للقسم وإنما يجوز والله أقوم في القسم بمعنى لا أقوم لأنه لو كان إثباتاً لقال لأقومنّ باللام والنون والمعنى في قول أبي العباس وأبي عبيدة واحد والتقدير مختلف {وتتقوا} أي تتقوا الإثم والمعاصي في الإيمان {وتصلحوا بين الناس} في الإيمان وتصلحوا بين الناس عطف على ما سبق ومعناه ولا تجعلوا الحلف بالله علة أو حجة في أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا لكي تكونوا من البررة والأتقياء والمصلحين بين الناس أو لدفع أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، وعلى الوجه الثالث لا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة لأن تبروا وتتقوا وتصلحوا أي بين الناس فإن كثرت يمينه لا يوثق بحلفه ومن قلت يمينه فهو أقرب إلى التقوى والإصلاح بين الناس {والله سميعٌ} لأقوالكم {عليمٌ} بما في ضمائركم لا يخفى عليه من ذلك خافية، وفي هذه الآية دلالة على أن من حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه فلـه أن ينقض يمينه ويفعل الذي هو خير وهل يجب عليه الكفارة؟ فيه خلاف فعند أكثر الفقهاء يجب عليه الكفارة ولا كفارة عليه عندنا ومن أقسم على غيره ليفعل فعلاً أو ليمتنع عن فعل ولا يبالي بذلك قال بعضهم أن المقسم عليه لا يأثم بذلك والصحيح أن المقسم عليه يأثم لقول النبي: " من سألكم بالله فأعطوه ومن استعاذكم بالله فأعيذوه"
".