التفاسير

< >
عرض

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٱكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٥٧
-البقرة

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الظلة الغمامة والسترة نظائر يقال ظللت تظليلاً والظل ضد الضحّ ونقيضه وظل الشجرة سترها ولا أزال الله عنا ظل فلان أي ستره ويقال لسواد الليل ظل لأنه يستر الأشياء قال الله تعالى: { ألم تر إلى ربك كيف مَدّ الظل } [الفرقان: 45] والغمام السحاب والقطعة منها غمامة وإنما سمي غماماً لأنه يغمّ السماء أي يسترها وكل ما يستر شيئاً فقد غمّه وقيل هو ما ابيضَّ من السحاب والغُمّة الغطاء على القلب من الغمّ وفلان في غمة من أمره إِذا لم يهتد له والمنّ الإِحسان إلى من لا يستثيبه والاسم المنة والله تعالى هو المنان علينا والرحيم بنا والمن قطع الخير ومنه قولـه { أجر غير ممنون } [فصلت: 8] أي غير مقطوع والمُنّة قوة القلب وفلان ضعيف المنة وأصل الباب الإِحسان فالمن الذي كان يسقط على بني إسرائيل هو مما منَّ الله به عليهم أي أحسن به إليهم والسلوى طائر كالسُمانَى قال الأخفش هو للواحد والجمع كقولـهم ذُفْلى وقال الخليل واحده سلواة قال:

كما انتفضَ السَلواة مَن بَلَلِ القَطْر

قال الزجاج غلط خالد بن زهير في قولـه:

وَقَاسَمَهَا بَاللهِ جَهْداً لأنتُمُ أَلَذُّ مَن السَّلْوى إِذَا مَا نَشُورُهَا

فظن أن السلوى العسل وإنما هو طائر قال أبو علي الفارسي وقِرىءّ على الزجاج في مصنف أبي عبيد أنه العسل قال والذي عندي فيه أَنَّ السلوى كأنه ما يسلي عن غيره للفضيلة فيه من فرط طيبه أو قلة معاناة وعلاج في اقتنائه فالعسل لا يمتنع أن يسمى سلوى لجمعه الأمرين كما سمي الطائر الذي كان يسقط مع المن به ويقال سلا فلان عن فلان يَسْلو سَلْواً إِذا تَسَلّى عنه وفلان في سُّلْوة من العيش إِذا كان في رَغَد يُسليه الهم والسُلْوان ماء مَن شربه ذهب همّه فيما زعموا قال:

لو أشرب السُلوان ما سَلَيتُ

الإعراب: موضع كلوا نصب بمحذوف كأنه قال وقلنا لهم كلوا وموضع نصب لأنه معطوف على المن وقولـه {وما ظلمونا} إنما يتصل بما قبله أيضاً بتقدير محذوف كأنه قال فخالفوا ما أمروا به وكفروا هذه النعمة وما ظلمونا.
المعنى: {وظللنا عليكم الغمام} أي جعلنا لكم الغمام ظلة وسترة تقيكم حر الشمس في التيه عن جماعة المفسرين {وأنزلنا عليكم المن} فيه وجوه أحدها: أنه المن الذي يعرفه الناس يسقط على الشجر عن ابن عباس وثانيها: أنه شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار وطعمه كالشهد والعسل عن مجاهد وثالثها: أنه الخبز المرقق عن وهب ورابعها: أنه جميع النعم التي أتتهم مما منّ الله به عليهم مما لا تعب فيه ولا نصب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"الكَمْأة من المن وماؤها شفاء للعين" {والسَلوى} قيل هو السُمانَى وقيل هو طائر أبيض يشبه السماني عن ابن عباس.
وقولـه {كلوا من طيبات ما رزقناكم} معناه قلنا لهم كلوا من الشيء اللذيذ وقيل المباح الذي يستلذّ أكله الذي رزقناكم أي أعطيناكم وجعلناه رزقاً لكم وقولـه {وما ظلمونا} أي فكفروا هذه النعمة وما نقصونا بكفرانهم أَتْعُمَنا {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي يسمون وقيل معناه وما ضرّونا ولكن كانوا أنفسهم يضرّون وهذا يدل على أن الله تعالى لا ينفعه طاعة من أطاعه ولا يضره معصية من عصاه وإنما تعود منفعة الطاعة إلى المطيع ومضرة المعصية إلى العاصي.
القصة: وكان سبب انزال المن والسلوى عليهم أنه لما ابتلاهم الله بالتيه - إِذ قالوا لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون - حين أمرهم بالمسير إلى بيت المقدس وحرب العمالقة بقولـه ادخلوا الأرض المقدسة فوقعوا في التيه فصاروا كلما ساروا تاهوا في قدر خمسة فراسخ أو ستة فكلما أصبحوا ساروا غادين فأمسوا فإِذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه كذلك حتى تمت المدة وبقوا فيها أربعين سنة. وفي التيه توفي موسى وهارون ثم خرج يوشع بن نون وقيل كان الله تعالى يرد الجانب الذي انتهوا إليه من الأرض إلى الجانب الذي ساروا منه فكانوا يضلون عن الطريق لأنهم كانو خلقاً عظيماً فلا يجوز أن يضلوا كلهم عن الطريق في هذه المدة المديدة في هذا المقدار من الأرض ولما حصلوا في التيه ندموا على ما فعلوا فألطف الله لهم بالغمام لما شكوا حرَّ الشمس وأنزل عليهم المنَّ والسلوى فكان يسقط عليهم المن من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فكانوا يأخذون منها ما يكفيهم ليومهم. وقال الصادق (ع) كان ينزل المن على بني إسرائيل من بعد الفجر إلى طلوع الشمس فمن نام في ذلك الوقت لم ينزل نصيبه فلذلك يكره النوم في هذا الوقت إلى بعد طلوع الشمس قال ابن جرير وكان الرجل منهم إذا أخذ من المن والسلوى زيادة على طعام يوم واحد فسد إلا يوم الجمعة فإنهم إذا أخذوا طعام يومين لم يفسد وكانوا يأخذون منها ما يكفيهم ليوم الجمعة والسبت لأنه كان لا يأتيهم يوم السبت وكانوا يخبزونه مثل القرصة ويوجد له طعم كالشهد المعجون بالسمن وكان الله تعالى يبعث لهم السحاب النهار فيدفع عنهم حر الشمس وكان ينزل عليهم في الليل من السماء عمود من نور يضىء لهم مكان السراج وإذا ولد فيهم مولود يكون عليه ثوب يطول بطوله كالجلد.