التفاسير

< >
عرض

قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ
٨٧
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ
٨٨
أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً
٨٩
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي
٩٠
قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ
٩١
قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ
٩٢
أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي
٩٣
قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
٩٤
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ
٩٥
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
٩٦
-طه

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل المدينة والكوفة وعاصم بمَلكنا بالفتح، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بملكنا بضم الميم والباقون بملكنا بكسر الميم وقرأ ابن عامر وحفص ورويس حُمّلنا بالضم والتشديد والباقون حَمَلنا بفتح الحاء والتخفيف، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم لم تبصروا بالتاء والباقون بالياء، وفي الشواذ قراءة ابن مسعود وأبي والحسن وقتادة وأبي رجاء ونصر بن عاصم فقبصت قبصة بالصاد وروي عن الحسن أيضاً قبضة بضم القاف.
الحجة: قال أبو علي: في قوله بملكنا هذه ثلاث لغات والكسر أكثر والفتح لغة فيه والمعنى ما أخلفنا موعدك بملكنا الصواب ولكن لخطئنا فأضيف المصدر إلى الفاعل وحذف المفعول فأما من ضم الميم فإنه لا يخلو من أن يريد به مصدراً لِمَلِك أو يكون لغة في مصدر المالك فإن أريد الأول فالمعنى لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك لمكان ملكنا ويكون على هذا التقدير كقوله
{ لا يسألون الناس إلحافاً } [البقرة: 273] أي ليس منهم مسألة فيكون منهم الحاف فيها ليس أنه أثبت ملكاً ما لم يثبت في قوله لا يسألون الناس الحافاً مسألة منهم ومثل ذلك قول ابن أحمر:

لا تُفْــزِع الأرْنَــبَ أهْوالُها وَلا تَرَى الضَّبَ بِها يَنْجَحِر

أي ليس بها أرنب فيفزع لهولها ومثله قول ذي الرمة:

لا تُشْتَكى سَقْطَةً مِنْها وَقَدْ رَقَصَتْ بِهَــا الْمَفــاوِزُ حَتّـى ظَهْرُها حَدِبُ

أي ليس منها سقطة فتشتكي، وقوله حملنا من حمل الإنسان الشيء وحملته إياه فمن قرأ حُمِّلنا فالمعنى جعلونا نحمل أوزار القوم، ومن قرأ حَمَلنا أراد أنهم فعلوا ذلك، ومن قرأ بما لم يبصروا به بالياء فالمعنى بما لم يبصر به بنو إسرائيل، ومن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى الجميع، والقبض بالضاد باليد كلها وبالصاد بأطراف الأصابع والقبضة بالضم القدر المقبوض والقبضة فعلك أنت وقد ذكرنا الاختلاف في قوله يا ابن أم والوجه في ذلك في سورة الأعراف.
اللغة: الوزر أصله الثقل ومنه الوزر الذنب لأن صاحبه قد حمل به ثقلاً والوزر الحمل والأوزار الأحمال والأثقال ومنه الأوزار للسلاح لأنها تثقل على لابسها والخوار الصوت المتردد الشديد التردد كصوت البقر ونحوه، والعكوف الإقامة وملازمة الشيء ومنه الاعتكاف في المسجد ورقب يرقب رقباناً ورقبة انتظر والمرقب المكان العالي الذي يقف عليه الرقيب وأرقبت فلاناً داري وأعمرته والاسم الرقبى والعمرى وبصر بالشيء يبصر إذا صار عليماً به وأبصر يبصر إذا رأى.
الإعراب: {فكذلك ألقى السامري} الكاف صفة مصدر محذوف لألقى تقديره ألقى السامري إلقاء مثل القائنا، جسداً بدل من عجل. أن لا يرجع تقديره أفلا يرون أن لا يرجع ويجوز أن ينصب يرجع بأن فيكون الناصبة للفعل ولا يكون أن المخففة من أن ضلوا جملة في موضع نصب على الحال وقد مضمن ألاّ تتبعني في موضع جرّ بمن المحذوف أو في موضع نصب على الخلاف فيه تقديره ما منعك من اتباعي ولا زائدة كما في قوله
{ ما منعك أن لا تسجد } [الأعراف: 12].
المعنى: {قالوا} أي قال الذين لم يعبدوا العجل {ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي ونحن نملك من أمرنا شيئاً والمعنى أنا لم نطق ردّ عبدة العجل عن عظيم ما ارتكبوه للرهبة لكثرتهم وقلتنا. وجاء في الرواية أن الذين لم يعبدوا العجل كانوا اثني عشر ألفاً والذين عبدوه كانوا ستمائة ألف رجل. ومن قرأ بملكنا بضم الميم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا أي لم نقدر على ردهم.
{ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم} معناه ولكنا حملنا أثقالاً من حلي آل فرعون وهو ما أستعادوه من حليهم حين أرادوا السير، وقيل: هو ما ألقاه البحر على الساحل من ذهبهم وفضتهم وحليهم بعد إغراقهم فأخذوه. وقيل هو من أثقال الذنوب والآثام أي حملنا آثاماً من حلي القوم لأنَّهم استعاروا حلياً من القبط ليتزينوا بها في عيد كان لهم ثم لم يردوها عليهم عند الخروج من مصر مخافة أن يعلموا بخروجهم فحملوهم وكان ذلك ذنباً منهم إذ كانوا مستأمنين فيما بينهم. وقيل: إنهم كانوا في حكم الإسراء فيما بينهم فكان يحل لهم أخذ أموالهم فعلى هذا لا يمكن حمله على الإثم.
{فقذفناها} أي ألقيناها في النار لتذوب {فكذلك ألقى السامري} أيضاً ليوهم أنه منهم عن الجبائي. وقيل: معناه فمثل ما ألقينا نحن من هذا الحلي في النار ألقي السامري أيضاً فاتبعناه. وقيل: إن هذا كلام مبتدأ من الله حكى عنهم أنهم القوا ثم قال وكذلك ألقى السامري عن أبي مسلم {فأخرج لهم عجلاً جسداً} أي أخرج لهم من ذلك عجلاً جسيماً {له خوار} أي صوت وقد ذكرنا صفة العجل في سورة الأعراف {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى} أي قال السامري ومن تبعه من السفلة والعوام هذا العجل معبودكم ومعبود موسى.
{فنسي}. فيه قولان أحدهما: أنه من قول السامري ومن تبعه أي نسي موسى أنه إلهه وهو قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي والضحاك. وقيل: معناه فنسي أي ضل وأخطأ الطريق. وقيل: معناه أنه تركه هنا وخرج يطلبه والثاني: أنه قول الله تعالى أي فنسي السامري أي ترك ما كان عليه من الإيمان الذي بعث الله به موسى عن ابن عباس أيضاً. وقيل: معناه فنسي السامري الاستدلال على حدوث العجل وأنه لا يجوز أن يكون إلهاً. وقيل: فنسي السامري أي نافق وترك الإسلام.
ثم احتجَّ سبحانه عليهم فقال {أفلا يرون ألاّ يرجع إليهم قولاً} أي أفلا يرى بنو إسرائيل أن العجل الذي عبدوه واتخذوه إلهاً لا يرد عليهم جواباً {ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً} ومن كان بهذه الصفة فإنه لا يصلح للعبادة. قال مقاتل: لما مضى من موعد موسى خمسة وثلاثون يوماً أمر السامري بني إسرائيل أن يجمعوا ما استعاروه من حلي آل فرعون وصاغه عجلاً في السادس والثلاثين والسابع والثامن ودعاهم إلى عبادته في التاسع فأجابوه وجاءهم موسى بعد استكمال الأربعين. قال سعيد بن جبير: كان السامري من أهل كرمان وكان مطاعاً في بني إسرائيل. وقيل: كان من قرية يعبدون البقر فكان حب ذلك في قلبه. وقيل: كان من بني إسرائيل فلما جاوز البحر نافق فلما قالوا اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة أغتنمها وأخرج لهم العجل ودعاهم إليه عن قتادة.
{ولقد قال لهم هارون من قبل} أي من قبل عود موسى إليهم {يا قوم إنما فتنتم به} يعني إن الله تعالى شدد عليكم التعبد فاعلموا إلهكم واعبدوه ولا تعبدوا العجل موعظة ونصحاً ويحتمل أن يكون أراد فتنكم السامري به وأضلكم {وإن ربكم الرحمن فاتبعوني} أي اتبعوني فيما أدعوكم إليه {وأطيعوا أمري} في عبادة الله ولا تتبعوا السامري ولا تطيعوا أمره في عبادة العجل.
{قالوا لن نبرح عليه عاكفين} معناه لا نزال مقيمين على عبادته {حتى يرجع إلينا موسى} فننظر أيعبده كما عبدناه أم لا فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً فلما رجع موسى (ع) وهو ممتلىء غيظاً منهم ومن عبادتهم العجل وسمع الصياح والجلبة إذ كانوا يرقصون حول العجل ويضربون الدفوف والمزامير واستقبله هارون فألقى الألواح وأخذ يعاتب هارون {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني} أي هلا تتبعني بمن أقام على إيمانه عن ابن عباس. وقيل: معناه هلا قاتلتهم إذ علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم. وقيل: هلا لحقت بي حين رأيتهم ضلوا بعبادة العجل قبل استحكام الأمر والأصل أن لا مزيدة وتقديره ما منعك أن تتبعني.
{أفعصيت أمري} فيما أمرتك به يريد قوله أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين فلما أقام معهم ولم يبالغ في منعهم نسبه إلى عصيانه. وقيل: إن صورته صورة الاستفهام والمراد به التقرير لأن موسى (ع) كان يعلم أن هارون لا يعصيه في أمره.
سؤال: متى قيل إن الظاهر يقتضي أن موسى كان أمره باللحاق به فعصى هارون أمره قلنا يجوز أن يكون أمره بذلك بشرط المصلحة ورأى هارون الإقامة أصلح والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ويجوز أن يكون لم يأمره بذلك وإنما أمره بمجاهدتهم وزجرهم عن القبيح وإنما عاتبه مع أن اللوم توجه على القوم لأن أمره بمفارقتهم لوم عليهم. وقيل: إن موقع الذنب ممن عظمت رتبته أعظم فلما كان هارون أجل من خلفه موسى خصَّه باللائمة وهذا إنما يتّجه إذا ثبت لهارون ذنب فأما وهو نقي الجيب من جميع الذنوب بريء الساحة من العيوب فالقول الأول هو الوجه.
{قال} هارون {يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} قد فسرناه في سورة الأعراف. وقيل: كانت العادة جارية قي القبض عليهما في ذلك الزمان كما أن العادة في زماننا هذا القبض على اليد والمعانقة وذلك مما تختلف العادة فيه بالأزمنة والأمكنة. وقيل: إنه أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على لحيته لأنه لم يكن يتهم عليه كما لا يتهم على نفسه ثم بيَّن (ع) عذره في مقامه معهم فقال {إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل} يعني أني لو فارقتهم أو قاتلتهم لصاروا أحزاباً وتفرقوا فرقاً ففريق يلحقون بك معي وفريق يقيمون مع السامري على عبادة العجل وفريق يتوقفون شاكين في أمره مع أني لم آمن إن تركتهم أن يصيروا بالخلاف إلى تسافك الدماء وشدة التصميم والثبات على اتباع السامري فإنهم كانوا يمتنعون بعض الامتناع بمكاني فيهم وكنت أوجه إليهم من الإنكار مقدار ما يتحمله الحال وذلك قوله {يا قوم إنما فتنتم به} فاعتذر بما يقبل مثله لأنه وجه واضح من وجوه الرأي.
وقوله {ولم ترقب قولي} معناه ولم تحفظ وصيتي ولم تعمل به حين قلت أخلفني في قومي وأصلح ولما ظهرت براءة ساحة هارون أقبل على السامري.
{قال} له {فما خطبك يا سامري} أي ما شأنك وما دعاك إلى ما صنعت فكأنه قال ما هذا الخطب والأمر العظيم الذي أحدثت وما حملك عليه {قال} السامري {بصرت بما لم يبصروا به} أي رأيت ما لم يروه. وقيل: معناه علمت ما لم يعلموا من البصيرة {فقبضت قبضة من أثر الرسول} أي قبضت قبضة تراب من أثر قدم جبرائيل {فنبذتها} في العجل {وكذلك} أي وكما حدثتك يا موسى {سولت لي نفسي} أي زينت لي نفسي من أخذ القبضة وإلقائها في صورة العجل. وقيل: معناه حدثتني نفسي فأما حديث العجل وما الذي قبضه السامري وكيفية ذلك واختلافهم فيه فقد سبق ذكره.