التفاسير

< >
عرض

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
١٦
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ
١٧
فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ
١٨
فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي ٱلأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ
١٩
وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢٠
-القصص

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الترقب الانتظار والاستصراخ طلب الصراخ على العدو بما يردعه عن الإيقاع به والائتمار التشاور والارتياء يقال ائتمر القوم وارتاءوا بمعنى قال امرؤ القيس:

أحارِ ابْنَ عَمْروٍ كَأَنِّي خَمِرْ وَيَعْـدُو عَلَى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ

وقال النمر بن تولب:

أَرَى النَّاسَ قَد أحْدَثُوا شِيمَةً وَفِـي كُــلّ حـادِثَةٍ يُؤْتَمَرْ

الإعراب: {بما أنعمت عليَّ} الباء للقسم ويجوز أن يكون ما حرفاً موصولاً والمعنى بإنعامك عليَّ ويجوز أن يكون اسماً موصولاً والضمير العائد محذوفاً والتقدير بالذي أنعمته عليَّ وجواب القسم لن أكون والفاء لجواب القسم مقدر في الموصول بالجملة الفعلية. {أن أراد أن يبطش} أن الأولى زائدة وأن الثانية مع صلتها منصوبة الموضع بأنها مفعولة إرادة {إني لك من الناصحين} لا يجوز أن تتعلق اللام في لك بالناصحين لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول وإنما تتعلق بمحذوف يفسّره هذا الظاهر تقديره إني من الناصحين لك.
المعنى: ثم حكى سبحانه أن موسى (ع) حين قتل القبطي ندم على ذلك و {قال رب إني ظلمت نفسي} في هذا القتل فإنهم لو علموا بذلك لقتلوني. وقال المرتضى قدس الله روحه العزيز إنما قاله على سبيل الانقطاع والرجوع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن أداء حقوق نعمه أو من حيث حرم نفسه الثواب المستحق بفعل الندب {فاغفر لي} معناه قول آدم (ع)
{ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } [الأعراف: 23] وقبول الاستغفار والتوبة قد يسمى غفراناً {فغفر له إنه هو الغفور} لعباده {الرحيم} بهم المنعم عليهم.
{قال} موسى {رب بما أنعمت عليَّ} أي بنعمتك عليَّ من المغفرة وصرف بلاء الأعداء عني {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} المعنى فلك عليَّ ألا أكون مظاهراً ومعيناً للمشركين عن ابن عباس وفي هذا دلالة على أن مظاهرة المجرمين جرم ومعصية ومظاهرة المؤمنين طاعة وإنما ظاهر موسى (ع) من كان ظاهره الإيمان وخالف من كان ظاهره الكفر وجاء في الأثر أن رجلاً قال لعطاء بن أبي رياح: إن فلاناً يكتب لفلان ولا يزيد على كتبه دخله وخرجه فإن أخذ منه أجراً كان له غنى وإن لم يأخذ اشتد فقره وفقر عياله فقال عطاء أما سمعت قول الرجل الصالح {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين}.
{فأصبح} موسى في اليوم الثاني {في المدينة خائفاً} من قبل القبطي {يترقب} أي ينتظر الأخبار في قتل القبطي عن ابن عباس يعني أنه خاف من فرعون وقومه أن يكونوا عرفوا أنه هو الذي قتل القبطي فكان يتجسس وينتظر الأخبار في شأنه.
{فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} معناه أن الإسرائيلي الذي كان قد خلصه بالأمس ووكز القبطي من أجله يستصرخ موسى ويستعين به على رجل آخر من القبط خاصمه. قال ابن عباس: لما فشا أمر قتل القبطي قيل لفرعون إن بني إسرائيل قتلت منا رجلاً قال أتعرفون قاتله ومن يشهد عليه قالوا لا فأمرهم بطلبه فبينا هم يطوفون إذ مرَّ موسى من الغد وأتى ذلك الإسرائيلي يطلب نصرته ويستغيث به.
{قال له موسى إنك لغوي مبين} أي ظاهر الغواية حيث قاتلت بالأمس رجلاً وتقاتل اليوم الآخر ولم يرد الغواية في الدين والمراد أن من خاصم آل فرعون مع كثرتهم فإنه غوي أي خائب فيما يطلبه عادل عن الصواب فيما يقصده {فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس} معناه فلما أخذته الرقة على الإسرائيلي وأراد أن يدفع القبطي الذي هو عدو لموسى والإسرائيلي عنه ويبطش به أي يأخذه بشدة ظن الإسرائيلي أن موسى قصده لما قال له إنك لغوي مبين فقال أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس عن ابن عباس وأكثر المفسرين. وقال الحسن: هو من قول القبطي لأنه قد اشتهر أمر القتل بالأمس وإنه قتله بعض بني إسرائيل.
{إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض} أي ما تريد إلا أن تكون عالياً في الأرض بالقتل والظلم. قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين بغير حق {وما تريد أن تكون من المصلحين} ولما قال الإسرائيلي ذلك علم القبطي أن القاتل موسى فانطلق إلى فرعون وأخبر به فأمر فرعون بقتل موسى وبعث في طلبه {وجاء رجل من أقصى المدينة} أي آخرها فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى {يسعى} أي يسرع في المشي فأخبره بذلك وأنذره وكان الرجل حزقيل مؤمن آل فرعون. وقيل: رجل اسمه شمعون. وقيل: سمعان {قال يا موسى إن الملأ} أي الأشراف من آل فرعون {يأتمرون بك} أي يتشاورون فيك عن أبي عبيدة. وقيل: يأمر بعضهم {ليقتلوك فاخرج} من أرض مصر {إني لك من الناصحين} في هذا يقال نصحته ونصحت له.