التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٣
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ
٤٤
وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
٤٥
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٦
وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٤٧
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلاۤ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ
٤٨
قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٤٩
فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
٥٠
-القصص

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل الكوفة سحران بغير ألف والباقون ساحران بالألف.
الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ ساحران أنه قال تظاهرا والمظاهرة المعاونة وفي التنزيل وإن تظاهرا عليه والمعاونة في الحقيقة إنما تكون للساحرين لا للسِحْرين والوجه في قوله {سحران} أنه نسب المعاونة إلى السحرين على وجه الإتساع كأن كل منهما يقوّي الآخر.
الإعراب: قال الزجاج: قوله {بصائر} حال أي آتيناه الكتاب مبيناً وأقول فيه أنه بدل من الكتاب فإن المعرفة يجوز أن تبدل منها النكرة والبصائر في معنى الحجج فلا يصحّ معنى الحال فيها إذا كان اسماً محضاً لا شائبة فيه للفعل وقوله {إذا قضينا} ظرف للمحذوف الذي يتعلق به الباء في قوله {بجانب الغربي} وتتلو جملة منصوبة الموضع على الحال ولكن رحمة رحمة منصوبة مفعول لها تقديره ولكنا أوحينا إليك رحمة أي للرحمة كما تقول فعلت ذلك ابتغاء الخير {لولا أن تصيبهم مصيبة} لولا هذه هي التي معناها امتناع الشيء لوجود غيره وأن تصيبهم مبتدأ وجواب لولا محذوف وتقديره لم يحتج إلى إرسال الرسل ولولا الثانية في قوله {ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً} هي التي معناه التخصيص بمعنى هلا بغير هدى الجار والمجرور في موضع نصب على الحال.
المعنى: ثم ذكر سبحانه من أخبار موسى (ع) ما فيه دلالة على معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم فقال {ولقد آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} أي الجموع التي كانت قبله من الكفار مثل قوم نوح وعاد وثمود ويجوز أن يريد بالقرون قوم فرعون لأنه سبحانه أعطاه التوراة بعد إهلاكهم بمدة {بصائر للناس} أي حججاً وبراهين للناس وعبراً يبصرون بها أمر دينهم وأدلّة يستدلّون بها في أحكام شريعتهم {وهدى} أي دلالة لمن اتبعه يهتدي بها {ورحمة} لمن آمن به {لعلهم يتذكرون} أي يتعّظون ويعتبرون وجاءت الرواية بالإسناد عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما أهلك الله قوماً ولا قرناً ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية التي مسخوا قردة" ألم تر أن الله تعالى قال {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى}.
{وما كنت بجانب الغربي} أي وما كنت يا محمد حاضراً بجانب الجبل الغربي أي في الجانب الغربي من الجبل الذي كلَّم الله فيه موسى عن قتادة والسدي. وقيل: بجانب الوادي الغربي عن ابن عباس والكلبي {إذ قضينا إلى موسى الأمر} أي عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه. وقيل: معناه أخبرناه بأمرنا ونهينا. وقيل: أراد كلامه معه في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم ونبوته {وما كنت من الشاهدين} أي الحاضرين لذلك الأمر وبذلك المكان فتخبر قومك عن مشاهدة وعيان ولكنا أخبرناك به ليكون معجزة لك.
{ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر} أي خلقنا قرناً بعد قرن فطال عهدهم بالمهلكين قبلهم وفترة النبوة فحملهم ذلك على الاغترار وأنكروا بعثة الله رسل لجهلهم بأمر الرسل فأرسلناك للناس رسولاً وجعلناك رحمة للناس كما جعلنا موسى رحمة لا يتم الكلام إلا بهذا التقدير. وقيل: إن المعنى خلقنا خلقاً كثيراً عهدنا إليهم في نعتك وصفتك وأمرنا الأول بالإبلاغ للناس إلى الثاني فامتدّ بهم الزمان فنسوا عهدنا إليهم فيك.
{وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا} معناه وما كنت مقيماً في قوم شعيب تتلو عليهم آياتنا. قال مقاتل: معناه ولم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم {ولكنا كنا مرسلين} أي أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك لما علمتها. قال الزجاج: المعنى أنك لم تشاهد قصص الأنبياء ولا تليت عليك ولكنا أوحيناها إليك وقصصناها عليك حتى تخبر قومك بهذا فيدلُّ ذلك على صحة نبوتك. وقيل: معناه أنك لم تشهد إحساننا إلى عبادنا في إرسال الرسل ونصب الآيات وإنزال الكتب بالبينات والهدى وهذا كما يقال لم تدر أيّ شيء كان هناك تفخيماً للأمر ولولا الوحي لما علمت من ذلك ما علمت ولم تهتد له.
{وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} أي ولم تك حاضراً بناحية الجبل الذي كلمنا عليه موسى وناديناه يا موسى خذ الكتاب بقوة. وقيل: أراد بذلك المرة الثانية التي كلَّم الله فيها موسى (ع) حين اختار من قومه سبعين رجلاً ليسمعوا كلام الله تعالى {ولكن رحمة من ربك} أي ولكن الله تعالى أعلمك ذلك وعرفك إياه نعمة من ربك أنعم بها عليك وهو أن بعثك نبياً واختارك لإيتاء العلم بذلك معجزة لك.
{لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك} أي لتنذر العرب الذين لم يأتهم رسول قبلك {لعلهم يتذكرون} أي لكي يتفكروا ويعتبروا وينزعوا عن المعاصي وفي هذا دلالة على وجوب فعل اللطف فإن الإنذار والدعوة لطف من الله تعالى مؤثر في القبول ومقرّب منه.
{ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} معناه لولا أن لهم أن يحتجّوا لو أصابتهم عقوبة بأن يقولوا هلا أرسلت إلينا رسولاً يدعونا إلى ما يجب الإيمان به فنتّبع الرسول ونأخذ بشريعته ونصدّق به لما أرسلنا الرسل ولكنا أرسلنا رسلاً لقطع حجتهم وهو في معنى قوله {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}. وقيل: إن جواب لولا ههنا لعجَّلنا لهم العقوبة. وقيل: المراد بالمصيبة ههنا عذاب الاستئصال. وقيل: عذاب الدنيا والآخرة عن أبي مسلم.
{فلما جاءهم الحق من عندنا} أي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن والإسلام {قالوا لولا أوتي} أي هلا أعطي محمد صلى الله عليه وسلم {مثل ما أوتي موسى} من فلق البحر واليد البيضاء والعصا. وقيل: معناه هلا أوتي كتاباً جملة واحدة وإنما قاله اليهود أو قريش بتعليم اليهود فاحتجَّ الله عليهم بقوله {أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} أي وقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد صلى الله عليه وسلم {وقالوا سحران تظاهرا} يعنون التوراة والقرآن عن عكرمة والكلبي ومقاتل ومن قرأ ساحران تظاهرا فمعناه أنهم قالوا تظاهر موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس {وقالوا إنا بكل كافرون} من التوراة والقرآن. قال الكلبي: وكانت مقالتهم هذه حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فأخبروهم بنعته وصفته في كتابهم التوراة فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود فقالوا عند ذلك سحران تظاهرا.
{قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين} معناه قل يا محمد لكفار قومك فأتوا بكتاب هو أهدى من التوراة والقرآن حتى أتبعه إن صدقتم إن التوراة والقرآن سحران. وقيل: معناه فأتوا بكتاب من عند الله يؤمن معه التكذيب. أي لم يكذب به طائفة من الناس.
ثم قال لنبيّه صلى الله عليه وسلم {فإن لم يستجيبوا لك} أي فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن. وقيل: فإن لم يستجيبوا لك إلى الإيمان مع ظهور الحق {فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} أي ما تميل إليه طباعهم لأن الهوى ميل الطبع إلى المشتهى. قال الزجاج: أي فاعلم إنما ركبوه من الكفر لا حجة لهم فيه وإنما آثروا فيه الهوى ثم ذمَّهم فقال {ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى من الله} أي لا أحد أضل ممن أتبع هواه بغير رشاد ولا بيان جاءه من الله {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} إلى طريق الجنة. وقيل: معناه لا يحكم الله بهدايتهم. وقيل: إنهم إذا لم يهتدوا بهدى الله فكأنه لم يهدهم.