التفاسير

< >
عرض

وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٧٢
وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٧٣
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
٧٤
-آل عمران

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ ابن كثير أن يؤتى أحد ممدوداً والباقون أن يؤتى بغير مد واستفهام.
الحجة: قال أبو علي من قرأ أن يؤتى أحد فتقديره لا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم إلا لمن تبع دينكم وقولـه {قل إن الـهدى هدى الله} اعتراض بين المفعول وفعلـه وإذا حذفت الجار من أن كان على الخلاف يكون في قول الخليل جراً وفي قول سيبويه نصباً فأما اللام في قولـه {لمن تبع دينكم} فلا يسهل أن تعلقه بتؤمنوا وأنت قد أوصلته بحرف آخر جار فتعلق بالفعل جارين كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد، ألا ترى أن تعدية الفعل بالجار كتعديته بالـهمز وتضعيف العين فكما لا يتكرر هذان كذلك لا يتكرر الجار فإذا لم يسهل تعليق المفعولين به حملته على المعنى لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم إلا لمن تبع دينكُم، كما تقول أقررت لزيد بألف فيكون اللام متعلقان بالمعنى ولا تكون زائدة على حدّ إن كنتم للرؤيا تعبرون ولكن يتعلق بالإقرار وإن شئت عملت الكلام على معنى الجحود فكأنه قال اجحدوا الناس إلا لمن تبع دينكم فيكون اللام على هذا زائدة وقد تعدى آمن باللام في غير هذا قال الله تعالى:
{ فما آمن لموسى إلا ذريتُهُ } [يونس: 83] وقال { آمنتم لـه قبل أن آذن لكم } [الشعراء: 49] وقال { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } [التوبة: 61] فتعدى مرة بالباء ومرة باللام ووجه قراءة ابن كثير أنّ في موضع رفع بالابتداء لأنه لا يجوز أن يحمل على ما قبلـه من الفعل لقطع الاستفهام بينهما وخبره تصدقون به وتعترفون به ونحو ذلك مِمّا دل عليه قولـه {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} هذا على قول من قال أزيد ضربته ومن قال أزيداً ضربته كان أن عنده في موضع نصب ويجوز أن يكون موضع أن نصباً على معنى تذكرون أو يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو تُشيعون ويدل على ذلك قولـه تعالى: { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } [البقرة: 76] فحديثهم بذلك إشاعة منهم وإفشاء وَبّخَ بعضهم بعضاً بالحديث لما علموه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوه من وصفه فهذه الآية في معنى قراءة ابن كثير ولعلـه اعتبرها في قراءته.
اللغة: الطائفة الجماعة وفي أصلـها قولان أحدهما: أنه كالرفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في السفر الذي يقع عليه الاجتماع والآخر: أنها جماعة يستوي بها حلقة يطاف حولـها ووجه النهار أولـه وسمي وجهاً لأنه أول ما يواجهك منه كما يقال لأول الثوب وجه الثوب وقيل لأنه كالوجه في أنه أَعلاه وأشرف ما فيه قال الربيع بن زياد:

مَنْ كانَ مَسْرُورَاً بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَــأتِ نِسْوَتَنا بِوَجْـهِ نَهارِ

النزول: قال الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد واكفروا به آخر النهار وقولوا إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه وقالوا إنهم أهل الكتاب وهم أعلم به منّا فيرجعون عن دينهم إلى دينكم وقال مجاهد ومقاتل الكلبي كان هذا في شأن القبلة لما حوّلت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف لأصحابه آمنوا بالله وبما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من أمر الكعبة وصلّوا إليها أول النهار وارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلـهم يشكون.
المعنى: لما ذكر تعالى صدراً من كياد القوم عَقّبه بذكر هذه المكيدة الشديدة فقال {وقالت طائفة} أي جماعة {من أهل الكتاب} أي بعضهم لبعض {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} يعنون النبي وأصحابه {وجه النهار واكفروا آخره} واختلف في معناه أقوال أحدها: أظهروا الإيمان لـهم أول النهار وارجعوا عنه في آخره فإنه أحرى أن ينقلبوا عن دينهم عن الحسن وجماعة وثانيها: آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار واكفروا آخره ليرجعوا بذلك عن دينهم عن مجاهد وثالثها: أظهروا الإيمان في صدر النهار بما سلف لكم من الإقرار بصفة محمد صلى الله عليه وسلم ثم ارجعوا في آخره لتوهموهم أنه كان قد وقع غلط في صفته.
{لعلـهم يرجعون} عن دينهم الإسلام عن ابن عباس وجماعة {ولا تؤمنوا} أي ولا تصدقوا {إلا لمن تبع دينكم} اليهودية وقام بشرائعكم وهو عطف على ما مضى واختلف في معنى الآية على أقوال أحدها: أن معناه ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة والبيان والحجة ولا لمن تبع دينكم من أهل الكتاب وقيل: إنما قال ذلك يهود خيبر ليهود المدينة لئلا يعترفوا به فيلومونهم به لإقرارهم بصحته، وقيل معناه لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم وقولـه {أو يحاجوكم عند ربكم} لأنكم أصح ديناً منهم فلا تكون لـهم الحجة عليكم عند الله فيكون هذا كلـه من كلام اليهود.
وقولـه {قل إن الـهدى هدى الله} و {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} كلام الله جواباً لليهود ورداً عليهم أي قل يا محمد إن الـهدى هدى الله وقل إن الفضل بيد الله فلا ينبغي لـهم أن ينكروا أن يؤتى أحد مثل ما أُوتوا وهذا معنى قول الحسن وأبي علي الفارسي وثانيها: أن يكون قولـه {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} كلام اليهود وما بعده من الله ويكون المعنى {قل إن الـهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم} أيها المسلمون كقولـه
{ يبيّن الله لكم أن تضلوا } [النساء: 176] أي أن لا تضلوا وإن لا يحاجوكم عند ربكم لأنه لا حُجّة لـهم ويكون هدى الله بدلاً من الـهدى والخبر أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهذا قول السُدّي وابن جريج وقال أبو العباس المُبرد: إنّ لا ليست مما تحذف ها هنا ولكن الإضافة هنا معلومة فحذفت الأول وأقيمت الثانية مقامه والمعنى {قل إن الـهدى هدى الله} كراهة {أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم} أي مما خالف دين الله لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فهدى الله بعيد من غير المؤمنين وكذلك تقدير قولـه يبين الله لكم كراهة أن تضلوا وقال قوم أنّ تقديره قل يا محمد إن الـهدى إلى الخير هدى الله فلا تجحدوا أيها اليهود أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم من النبوة.
{أو} أن {يحاجّوكم} بذلك {عند ربكم} إن لم تقبلوا ذلك منهم عن قتادة والربيع والجبائي، وقيل إن الـهدى هدى الله معناه أن الحق ما أَمر الله به ثم فسّر الـهدى فقال أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم فالمؤتى هو الشرع وما يحاجّ به هو العقل وتقدير الكلام أن هدى الله ما شرع أو ما عهد به في العقل فهذه أربعة أقوال وثالثها: أن يكون الكلام من أول الآية إلى آخرها الله تعالى وتقديره ولا تؤمنوا أيها المؤمنون إلا لمن تبع دينكم وهو دين الإسلام ولا تصدّقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين فلا نبّي بعد نبيكم ولا شريعة بعد شريعتكم إلى يوم القيامة ولا تصدّقوا بأن يكون لأحد حجة عليكم عند ربكم لأنّ دينكم خير الأديان وأن الـهدى هدى الله وأن الفضل بيد الله فتكون الآية كلـها خطاباً للمؤمنين من الله تعالى عند تلبيس اليهود عليهم لئلا يزلّوا ويدلّ عليه ما قالـه الضحاك: إنّ اليهود قالوا إنا نحاجّ عند ربنا من خالفنا في ديننا فبيّن الله تعالى أنهم هم المدحضون المغلوبون وأن المؤمنين هم الغالبون.
وقولـه {قل إن الفضل بيد الله} قيل يريد به النبوة وقيل الحجج التي أوتيها محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه وقيل نعم الدين والدنيا وقولـه {بيد الله} أي في ملكه وهو القادر عليه العالم بمحلـه {يؤتيه من يشاء} وفي هذه دلالة على أن النبوة ليست بمستحقة وكذلك الإمامة لأن الله سبحانه علّقه بالمشيئة {والله واسع} الرحمة جواد وقيل واسع المقدور يفعل ما يشاء {عليم} بمصالح الخلق وقيل يعلم حيث يجعل رسالته {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} مرّ تفسيره في سورة البقرة في العشر التي بعد المائة وفي هذه الآيات معجزة باهرة لنبينا إذ فيها أخبار عن سرائر القوم التي لا يعلمها إلا علاّم الغيوب وفيها دفع لمكائدهم ولطف للمؤمنين في الثبات على عقائدهم.