التفاسير

< >
عرض

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ
٨
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
٩
-آل عمران

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الـهبة تمليك الشيء من غير مثامنة والـهبة والنحلة والصلة نظائر وفي لدن خمس لغات لَدُن ولُدُن بضم اللام ولَدَن بفتح اللام والدال ولَدْنِ بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون ولَدُ بحذف النون والميعاد بمعنى الوعد كما إن الميقات بمعنى الوقت.
الإعراب: اللام في قولـه ليوم لا ريب فيه معناه في يوم وإنما جاز ذلك لما دخل الكلام من اللام فإن تقديره جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه فلما حذف لفظ الجزاء دخلت على ما يليه فأغنت عن في لأن حروف الإضافة متواخية لما يجمعها من معنى الإضافة وقد كان يجوز فتح أنَّ في قولـه إن الله لا يخلف على تقدير جامع الناس ليوم لا ريب فيه لأن الله لا يخلف الميعاد ولم يقرأ به.
المعنى: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} هذه حكاية عن قول الراسخين في العلم الذين ذكرهم الله في الآية الأولى وذكر في تأويلـه وجوه أحدها: أن معناه لا تمنعنا لطفك الذي معه تستقيم القلوب فتميل قلوبنا عن الإيمان بعد إذ وفقتنا بألطافك حتى هديتنا إليك وهذا دعاء بالتثبيت على الـهداية والإمداد بالإلطاف والتوفيقات ويجري مجرى قولـهم اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا والمعنى لا تخلّ بيننا وبين من لا يرحمنا فيسلط علينا فكأنهم قالوا لا تخل بيننا وبين نفوسنا بمنعك التوفيق والإلطاف عنا فنزيع ونضلّ وإنما يمنع ذلك بسبب ما يكتسبه العبد من المعصية ويفرط فيه من التوبة كما قال
{ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } [الصف: 5] وثانيها: أن معناه لا تكلفنا من الشدائد ما يصعب علينا فعلـه وتركه فتزيغ قلوبنا بعد الـهداية ونظيره { فلما كتب عليهم القتال تولّوا } [البقرة: 246] فأضافوا ما يقع من زيغ القلوب إليه سبحانه لأن ذلك يكون عند تشديده تعالى المحنة عليهم كما قال سبحانه { فزادتهم رجساً إلى رجسهم } [التوبة: 125] و { فلم يزدهم دعائي إلا فراراً } [نوح: 6] وثالثها: ما قالـه أبو علي الجبائي إن المراد لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك وهو ما ذكره الله من الشرح والسعة بقولـه يشرح صدره للإسلام وذكر أن ضد هذا الشرح هو الضيق والحرج اللذان يُفعلان بالكفار عقوبة ومن ذلك التطهير الذي يفعلـه في قلوب المؤمنين ويمنعه الكافرين كما قال تعالى { أولئك الذين لم يُرد الله أن يطهر قلوبهم } [المائدة: 41] ومن ذلك كتابته الإيمان في قلوب المؤمنين كما قال { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } [المجادلة: 22] وضد هذه الكتابة هي سمات الكفر التي في قلوب الكافرين فكأنهم سألوا الله أن لا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب.
ورابعها: أن الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين والإيمان ولا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل عما لولا المسألة لجاز أن يفعلـه لأنه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه والافتقار إلى ما عنده بأن يفعل ما نعلم أن يفعلـه وبأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعلـه إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة كما قال سبحانه
{ قل رب احكم بالحق } [الأنبياء: 112] وقال ربنا { وآتنا ما وعدتنا على رسلك } } [آل عمران: 194] وقال حاكياً عن إبراهيم: { ولا تخزني يوم يبعثون } [الشعراء: 87] فإن قيل هلا جاز على هذا أن يقول: ربنا لا تظلمنا ولا تَجُر علينا فالجواب إنما لم يجز ذلك لأن فيه تسخطاً من السائل وإنما يستعمل ذلك فيمن جرت عادته بالجور والظلم وليس كذلك ما نحن فيه.
{وهب لنا من لدنك رحمة} أي من عندك لطفاً نتوصل به إلى الثبات على الإيمان إذ لا نتوصل إلى الثبات على الإيمان إلا بلطفك كما لا يتوصل إلى ابتدائه إلا بذلك وقيل نعمة {إنك أنت الوهاب} المعطي للنعمة الذي شأنه الـهبة والعطية {ربنا} أي ويقولون يا سيدّنا وخالقنا {إنك جامع الناس} للجزاء {ليوم} أي في يوم {لا ريب فيه} أي ليس فيه موضع ريب وشكّ لوضوحه وهذا يتضمن إقرارهم بالبعث {إن الله لا يخلف الميعاد} أي لا يخلف الوعد وقيل هو متصل بما قبلـه من دعاء الراسخين في العلم وإن خالف آخر الكلام أولـه في الخطاب والغيبة فيكون مثل قولـه
{ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم } [يونس: 22] وتقديره فاغفر لنا إنك لا تخلف ما وعدته وقيل إنه على الاستيناف وهو اختيار الجبائي فيكون إخباراً عن الله تعالى.