التفاسير

< >
عرض

وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً
٣٦
-النساء

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الجار أصله من العدول. يقال: جاوره يجاوره مجاورة وجوار فهو مجاور له وجار له بعد وله إلى ناحيته في مسكنه من قولـهم: جار عن الطريق، وجار السهم إذا عدل عن القصد، واستجار بالله لأنه يسأله العدول به عن النار، {والجار ذي القربى} القريب، {والجار الجنب} الغريب. قال أبو علي: الجنب صفة على فُعُل مثل ناقة أُجُدو مشي سُجُحُ فالجنب المتباعد عن أهله يدلك على ذلك مقابلته بقولـه والجار ذي القربى والقربى: من القرب كاليسرى من اليسر، وأصل المختال من التخيل وهو التصور لأنه يتخيّل بحاله مرح البطر والمختال الصِلِف التيّاه ومنه الخيل لأنها تختال في مشيها أي تتبخترن والخَوَل الحشم، والفخور الذي يعد مناقبة كبراً أو تطاولاً، وأمّا الذي يعددها اعترافاً بالنعمة فيها فهو شكور غير فخور.
الإعراب: إحساناً نصب على المصدر كما تقول ضرباً لزيد وتقديره احسنوا بالوالدين إحساناً أو يكون نصباً على تقدير استوصوا بالوالدين إحساناً فيكون مفعولاً به.
المعنى: لَمَّا أمر سبحانه بمكارم الأخلاق في أمر اليتامى والأزواج والعيال عطف على ذلك بهذه الخلال المشتملة على معاني الأمور ومحاسن الأفعال، فبدأ بالأمر بعبادته فقال {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً} أي وَحِّدوه وعَظِّموه ولا تشركوا في عبادته غيره فإن العبادة لا تجوز لغيره لأنها لا تستحق إلا بفعل أصول النعم ولا يقدر عليها سواه تعالى {وبالوالدين إحساناً} أي فاستوصوا بهما براً وإنعاماً وإحساناً وإكراماً. وقيل: إن فيه إضمار فعل أي: وأوصاكم الله بالوالدين إحساناً {وبذي القربى واليتامى والمساكين} معناه احسنوا بالوالدين خاصة وبالقرابات عامة. يقال: أحسنت إليه وأحسنت به واحسنوا إلى اليتامى بحفظ أموالهم والقيام عليها وغيرها من وجوه الإحسان وأحسنوا إلى المساكين فلا تضيّعوهم وأعطوهم ما يحتاجون إليه من الطعام والكسوة وسائر ما لا بُدَّ منه لهم.
{والجار ذي القربى والجار الجنب} قيل: معناه الجار القريب في النسب، والجار الأجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد وقيل المراد به الجار ذي القربى منك بالإسلام، والجار الجنب المشرك البعيد في الدين وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" "الجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام. وجار له حقان: حق الجوار، وحق الإسلام، وجار له حق الجوار المشرك من أهل الكتاب" ". وقال الزجاج: {والجار ذي القربى} الذي يقاربك وتقاربه، ويعرفك وتعرفه. {والجار الجنب} البعيد. وروي أن حدّ الجوار إلى أربعين داراً، ويروى إلى أربعين ذراعاً. قال: ولا يجوز أن يكون المراد بذي القربى من القرابة لأنه قد سبق ذكر القرابة، والأمر بالإحسان إليهم بقولـه: {وبذي القربى} ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال هذا جائز، وإن كان قد سبق ذكر القرابة لأن الجار إذا كان قريباً فله حق القرابة والجوار والقريب الذي ليس بجار له حق القرابة حسب فحسن أفراد الجار القريب بالذكر.
{والصاحب بالجنب} في معناه أربعة أقوال أحدها: أنه الرفيق في السفر عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وجماعة. والإحسان إليه بالمواساة وحسن العشرة وثانيها: أنه الزوجة عن عبد الله بن مسعود وابن أبي ليلى، والنخعي وثالثها: أنه المنقطع إليك يرجو نفعك عن ابن عباس في إحدى الروايتين، وابن زيد. ورابعها: أنه الخادم الذي يخدمك، والأولى حمله على الجميع.
{وابن السبيل} معناه صاحب الطريق وفيه قولان أحدهما: أنه المسافر عن مجاهد والربيع. وقيل: هو الضيف عن ابن عباس. قال: والضيافة ثلاثة أيام وما فوقها فهو معروف. وكل معروف صدقة. وروى جابر عن النبي:
" "كل معروف صدقة وإن مع المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك " {وما ملكت أيمانكم} يعني به المماليك من العبيد والإماء وذكر اليمين تأكيداً كما يقال: مشت رجلك، وبطشت يدك، فموضع ما من قولـه، وما ملكت أيمانكم جر بالعطف على ما تقدم، أي: وأحسنوا إلى عبيدكم وإمائكم بالنفقة والسكنى ولا تحملوهم من الأعمال ما لا يطيقونه أمر الله عباده بالإحسان إلى هؤلاء أجمع {إن الله لا يحب} أي لا يرتضي {من كان مختالاً} في مشيته {فخوراً} على الناس بكثرة المال تكبراً عن ابن عباس وإنما ذكرهما لأنهما يأنفان من أقاربهم وجيرانهم إذا كانوا فقراء لا يحسنان عشرتهم وهذه آية جامعة تضمنت بيان أركان الإسلام، والتنبيه على مكارم الأخلاق، ومن تدبرها حق التدبر، وتذكرها حق التذكر، أغنته عن كثير من مواعظ البلغاء، وهدته إلى جم غفير من علوم العلماء.