التفاسير

< >
عرض

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
٤٦
-النساء

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: أصل اللَّي الفتل. يقال: لويت العود ألويه لَيّا ولويت الغريم إذا مطلته واللوية ما تتحف به المرأة ضيفها لتلوي بقلبه إليها، وألوى بهم الدهر إذا أفناهم، ولوى البقل إذا اصفر ولم يستحكم يُبسه والألسنة جمع اللسان وهو آلة الكلام واللسان اللغة ومنه قولـه: { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } [إبراهيم: 4] وتقول لَسَنْتُه ألْسُنُهُ إذا أخذته بلسانك قال طرفة:

وَإذا تَلْسُنُنــي ألْسُنُــــها إنَّني لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ

وأصل الطعن بالرمح ونحوه الطعن باللسان.
الإعراب: قيل في من ههنا واتصاله وجهان أحدهما: أنه تبيين للذين أوتوا نصيباً من الكتاب فيكون العامل فيه أوتوا وهو في صلة الذين، ويجوز أن لا يكون في الصلة كما تقول انظر إلى النفر من قومك ما صنعوا الثاني: أن يكون على الاستئناف والتقدير من الذين هادوا فريق يحرفون الكلم فأُلقي الموصوف لدلالة الصفة عليه كما قال ذو الرمة:

فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ وَآخَرُ يُثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالمَهْلِ

وأنشد سيبويه:

وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ تَارَتانِ فَمِنْهُمَا أمُوتُ وأُخْرَى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ

وقال الفراء المحذوف من الموصولة والتقدير من الذين هادوا من يحرفون الكلم كما يقولون منا يقول ذلك ومنا لا يقولـه. قال: والعرب تضمر مَن في مبتدأ الكلام بمن لأن مَن بعض لما هي منه كما قال تعالى: { وما مِنّا إلا له مقام معلوم } [الصافات: 164] { وإن منكم إلا واردها } [مريم: 71] وأنكر المبرد والزجاج هذا القول قالا: لأن مَنْ يحتاج إلى صلة أو صفة تقوم مقام الصلة فلا يحسن حذف الموصول مع بقاء الصلة كما لا يحسن حذف بعض الكلمة وغير مسمع نصب على الحال وراعنا من نَوّنَها جعلها كلمة الأمر كقولك رويداً وهنيئاً، ومن لم يُنَوّن جعلها من المراعاة كما تقول قاضِنا. ليّاً مصدر وضع موضع الحال وكذلك قولـه: {وطعناً} وتقديره يلوون ألسنتهم ليّاً، ويطعنون في الدين طعناً، إلا قليلاً، تقديره يؤمنون وهم قليل فيكون قليلاً منتصباً على الحال ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف تقديره إيماناً قليلاً كما قال الشاعر:

فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتَبٍ وَلاَ ذَاكِر اللِه إلاَّ قليلاً

يريد إلا ذكراً قليلاً وسقط التنوين من ذاكر لاجتماع الساكنين.
المعنى: ثُمَّ بَيَّن صفة من تقدّم ذكرهم فقال {من الذين هادوا} أي ألم تر إلى الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب من اليهود فيكون قولـه: {يحرفون} الكلم في موضع الحال وإن جعلته كلاماً مستأنفاً فمعناه من اليهود فريق {يحرفون الكلم عن مواضعه} أي يبدلون كلمات الله وأحكامه عن مواضعها. وقال مجاهد: يعني بالكلم التوراة وذلك أنهم كتموا ما في التوراة من صفة النبي {ويقولون سمعنا وعصينا} معناه يقولون مكانه بألسنتهم سمعنا وفي قلوبهم عصينا. وقيل: معناه سمعنا قولك وعصينا أمرك.
{واسمع غير مسمع} أي ويقول هؤلاء اليهود للنبي اسمع منا غير مسمع كما يقول القائل لغيره إذا سبّهُ بالقبيح اسمع لا أسمعك الله عن ابن عباس وابن زيد وقيل: بل تأويله اسمع غير مجاب لك ولا مقبول منك عن الحسن ومجاهد وهذا كله إخبار من الله عن اليهود الذين كانوا حوالى المدينة في عصر النبي لأنهم كانوا يسبونه ويؤذونه بالسيئ من القول {وراعنا} قد ذكرنا معناه في سورة البقرة. وقيل: إنه كان سبا للنبي تواضعوا عليه. ويقال: كانوا يقولون استهزاء وسخرية. ويقال: إنهم كانوا يقولونه على وجه التجبر كما يقول القائل لغيره انصت لكلامنا وتفهم عنا وإنما يكون هو من المراعاة التي هي المراقبة.
{لياً بألسنتهم} أي تحريكاً منهم لألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه {وطعناً في الدين} أي وقيعة فيه {ولو أنهم قالوا سمعنا} قولك {وأطعنا} أمرك وقبلنا ما جئتنا به {واسمع} منا {وانظرنا} أي انتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا {لكان خيراً لهم} يعني أنفع لهم عاجلاً وآجلاً {وأقوم} أي أعدل وأصوب في الكلام من الطعن والكفر في الدين {ولكن لعنهم الله بكفرهم} أي طردهم عن ثوابه ورحمته لسبب كفرهم.
ثم أخبر الله عنهم فقال {فلا يؤمنون} في المستقبل {إلا قليلاً} منهم فخرج مخبره على وفق خبره فلم يؤمن منهم إلا عبد الله بن سلام وأصحابه وهم نفر قليل. ويقال: معناه لا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً أي: ضعيفاً لا إخلاص فيه ولكنهم عصموا دماءهم وأموالهم به ويجوز أن يكون المعنى فلا يؤمنون إلا بقليل مما يجب الإيمان به.