التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
٩٤
-النساء

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم فتثبتوا هنا في الموضعين بالثاء والتاء وفي الحجرات وقرأ الباقون فتبيَّنوا بالتاء والنون في الجميع وقرأ أهل المدينة والشام وحمزة وخلف السلم بغير ألف، وقرئ في بعض الروايات عن عاصم السِلْم بكسر السين وسكون اللام وقرأ الباقون السلام بالألف. وروي عن أبي جعفر القارئ من بعض الطرق لست مؤمَناً بفتح الميم الثانية وحكى أبو القاسم البلخي أنه قراءة محمد بن علي الباقر.
الحجة: قال أبو علي: من قرأ فتثبَّتوا فحجته أن التثبت خلاف الإقدام والمراد به التأني وهو أشد اختصاصاً بهذا الموضع ويبيّن ذلك قولـه:
{ وأشدّ تثبيتاً } [النساء: 66] أي أشدّ وقفاً لهم عمّا وعظوا بأن لا يقدموا عليه. ومن قرأ: {فتبينوا} فحجته أن التَبَيُّن قد يكون أشد من التثبت وقد جاء: "التبين من الله والعجلة من الشيطان" فمقابلة التبيّن بالعجلة دلالة على تقارب التثبت والتبين قال الشاعر في موضع التوقف والزجر:

أزَيْدَ مَناةَ تُوعِدُ يَا بْنَ تَيْمٍ تَبَيَّنْ أيْنَ تاه بِكَ الْوَعِيدُ

قال: ومن قرأ: السلام احتمل ضربين أحدهما: أن يكون بمعنى التحية أي: ولا تقولوا لمن حيَّاكم بتحية المسلمين إنما قالها تعوّذاً ولكن ارفعوا السيف عنه والآخر: أن يكون المعنى لا تقولوا لمن لا يقاتلكم لست مؤمناً. قال أبو الحسن: يقال فلان سلام إذا كان لا يخالط أحداً. ومن قرأ السلم أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين ومنه قولـه: { وألقوا إلى الله يومئذٍ السلم } [النحل: 87] أي استسلموا لأمره ولِما يراد منهم. ومن قرأ السِلْم بكسر السين فمعناه الإسلام مصدر أسلم أي صار سلماً وخرج عن أن يكون حرباً. ومن قرأ {مؤمناً} فإنه من الأمان ومعناه لا تقولوا لمن استسلم لكم لسنا نؤمّنكم.
اللغة: جميع متاع الدنيا عرض يقال إن الدنيا عرض حاضر، ويقال لكل شيء يقل لبثه عرض ومنه العرض الذي هو خلاف الجوهر عند المتكلمين لأنه ما لا يجب له من اللبث ما يجب للأجسام والعرض ما يعرض للإنسان من مرض أو غيره.
الإعراب: تبتغون في موضع نصب على الحال من الواو في تقولوا والكاف من كذلك في موضع نصب بكونه خبر كان من كنتم.
النزول: قيل نزلت في أسامة بن زيد وأصحابه بعثهم النبي في سرية فلقوا رجلاً قد انحاز بغنم له إلى جبل وكان قد أسلم فقال لهم السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فبدر إليه أسامة فقتله، واستاقوا غنمه عن السدي وروي عن ابن عباس وقتادة أنه لما نزلت الآية حلف أسامة أن لا يقتل رجلاً قال لا إله إلا الله وبهذا اعتذر إلى عليّ لما تخلف عنه وإن كان عذره غير مقبول لأنه قد دلّ الدليل على وجوب طاعة الإمام في محاربة من حاربه من البغاة لا سيما وقد سمع النبي يقول:
"حربك يا علي حربي وسلمك سلمي" . وقيل: "نزلت في محلم بن جثامة الليثي وكان بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية فلقيه عامر بن الأضبط الأشجعي فحيّاه بتحية الإسلام وكان بينهما إحْنَة فرماه بسهم فقتله فلما جاء إلى النبي جلس بين يديه وسأله أن يستغفر له فقال صلى الله عليه وسلم: لا غفر الله لك" فانصرف باكياً فما مضت عليه سبعة أيام حتى هلك فدفن فلفظته الأرض فقال صلى الله عليه وسلم لما أخبر به إن الأرض تقبل من هو شرّ من محلم صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظم من حرمتكم ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة فنزلت الآية عن الواقدي ومحمد بن إسحاق بن يسار رَوَياهُ عن ابن عمر وابن مسعود وابن حَدْرَدْ. وقيل: كان صاحب السرية المقداد عن سعيد بن جبير. وقيل: أبو الدرداء عن ابن زيد.
المعنى: لمَّا بيَّن تعالى أحكام القتل وأنواعه عَقَّب ذلك بالأمر بالتثبت والتأني حتى لا يفعل ما يُعقّب الندامة فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم} أي صرتم وسافرتم {في سبيل الله} للغزو والجهاد {فتبيّنوا} أي مَيِّزوا بين الكافر والمؤمن وبالثاء والتاء توقفوا وتأنُّوا حتى تعلموا من يستحق القتل والمعنيان متقاربان والمراد بهما لا تعجلوا في القتل لمن أظهر السلام ظناً منكم بأنه لا حقيقة لذلك {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم} أي حيَّاكم بتحية أهل الإسلام أو من استسلم لكم فلم يقاتلكم مظهراً أنه من أهل ملتكم: {لست مؤمناً} أي ليس لإيمانك حقيقة وإنما أسلمت خوفاً من القتل أو لست بآمن {تبتغون} أي تطلبون {عرض الحياة الدنيا} يعني الغنيمة والمال ومتاع الحياة الدنيا الذي لا بقاء له.
{فعند الله مغانم كثيرة} أي في مقدوره فواضل ونعم ورزق إن أطعتموه فيما أمركم به. وقيل: معناه ثواب كثير لمن ترك قتل المؤمن {كذلك كنتم من قبل} اختلف في معناه فقيل كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفياً في قومه بدينه خوفاً على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذراً على أنفسكم عن سعيد بن جبير. وقيل: كما كان هذا المقتول كافراً فهداه الله كذلك كنتم كُفّاراً فهداكم الله عن ابن زيد والجبائي. وقيل: كذلك كنتم أذلاَّء وآحاداً إذا سار الرجل منكم وحده خاف أن يختطف عن المغربي.
{فمَنَّ الله عليكم} فيه قولان أحدهما: فمنَّ الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله حتى أظهرتم الإسلام بعد ما كنتم تكتمونه من أهل الشرك عن سعيد بن جبير. وقيل: معناه فتاب الله عليكم {فتبيَّنوا} أعاد هذا اللفظ للتأكيد بعد ما طال الكلام. وقيل: الأول معناه تبيَّنوا حاله، والثاني: معناه تبينوا هذه الفوائد بضمائركُم وأعرفوها وابتغوها {إن الله كان} أي لم يزل {بما تعملون} أي بما تعملونه {خبيراً} عليماً قبل أن تعملوه.