التفاسير

< >
عرض

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ
٢٧
-المائدة

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: القربان ما يقصد به القرب من رحمة الله من أعمال البر وهو على وزن فُعلان من القرب كالفرقان من الفرق والشكران والكفران من الشكر والكفر وقرابين الملك جلساؤه لقربهم إليه.
الإعراب: إذْ قَرّبا متعلق بقولـه: {نبأ} والتقدير خبر ابني آدم وما جرى منهما حين قربا قرباناً أي قرب كل واحد منهما قرباناً فجمعهما في الفعل وأفرد الاسم لأنه يستدل بفعلهما على أن لكل واحد منهما قرباناً. وقيل: إن القربان اسم جنس فهو يصلح للواحد والمتعدد على أنه مصدر من قرب الرجل قرباناً.
المعنى: {واتل} أي واقرأ {عليهم} يا محمد {نبأ ابني آدم} أي خبرهما {بالحق} أي بالصدق وأجمعوا على أنهما كانا ابني آدم لصلبه إلا الحسن فإنه قال كانا رجلين من بني إسرائيل {إذ قربا قرباناً} أي فَعَلاَ فعلاً يتقرب به إلى الله تعالى: {فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر} تقبل الطاعة إيجاب الثواب عليها. قالوا: وكانت علامة القبول في ذلك الزمان ناراً تأتي فتأكل المتقبل ولا تأكل المردود. وقيل: كانت النار تأكل المردود عن مجاهد والأول أظهر.
{قال لأقتلنك} في الكلام حذف التقدير قال الذي لم يتقبل منه للذي تُقبل منه لأقتلنك فقال له لم تقتلني {قال} إنه تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني قال له وما ذنبي {إنما يتقبل الله من المتقين} للمعاصي فأطلق للعلم بأن المراد أنها أحق ما يجب أن يخاف منه. قال ابن عباس: أراد إنما يتقبل الله ممن كان زاكي القلب وردّ عليك لأنك لست بزاكي القلب واستدل بهذا على أن طاعة الفاسق غير مقبولة لكنها تسقط عقاب تركها وهذا لا يصح لأن المعنى أن الثواب إنما يستحقه من يوقع الطاعة لكونها طاعة فأما إذا فعلها لغير ذلك فلا يستحق عليها ثواباً ولا يمتنع على هذا أن يقع من الفاسق طاعة يوقعها على الوجه الذي يستحق عليه الثواب فيستحقه.
النظم: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى أراد أن يبين أن حال اليهود في نقض العهد وارتكاب الفواحش كارتكاب ابن آدم في قتله أخاه وما عاد عليه من الوبال بتعديه فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو عليهم أخبارهما تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم فيما ناله من جهلهم وتكذيبهم وتبكيتاً لليهود.
القصة: قالوا إن حواء امرأة آدم كانت تلد في كل بطن غلاماً وجارية فولدت أول بطن قابيل بن آدم وقيل قايين وتوأمته أقليما بنت آدم والبطن الثاني هابيل وتوأمته لبوذا فلما أدركوا جميعاً أمر الله تعالى أن ينكح آدم قابيل أخت هابيل وهابيل أخت قابيل فرضي هابيل وأبى قابيل لأن أخته كانت أحسنهما. وقال: ما أمر الله سبحانه بهذا ولكن هذا من رأيك فأمرهما آدم أن يقربا قرباناً فرضيا بذلك فغدا هابيل وكان صاحب ماشية فأخذ من خير غنمه زبداً ولبناً وكان قابيل صاحب زرع فأخذ من شرّ زرعه ثم صعدا فوضعا القربانين على الجبل فأتت النار فأكلت قربان هابيل وتجنبت قربان قابيل وكان آدم غائباً عنهما بمكة خرج إليها ليزور البيت بأمر ربه فقال قابيل لا عِشتَ يا هابيل في الدنيا وقد تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني وتريد أن تأخذ أختي الحسناء وآخذ أختك القبيحة فقال له هابيل ما حكاه الله تعالى فشدخه بحجر فقتله. روي ذلك عن أبي جعفر الباقر (ع) وغيره من المفسرين وكان سبب قبول قربان أحدهما دون الآخر أن قابيل لم يكن زاكي القلب وقرب بشرّ ماله وأخسه وقرب هابيل بخير ماله وأشرفه وأضمر الرضا بحكم الله تعالى. وقيل: إنّ سبب أكل النار للقربان أنه لم يكن هناك فقير يدفع إليه ما يتقرب به إلى الله تعالى فكانت تنزل نار من السماء فتأكله. وعن إسماعيل بن رافع: أن قربان هابيل كان يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم.