التفاسير

< >
عرض

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٣٣
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣٤
-الأنعام

مجمع البيان في تفسير القرآن

القراءة: قرأ نافع ليُحزِنك بضم الياء وكسر الزاي والباقون يَحزُنك بفتح الياء وضم الزاي وقرأ نافع والكسائي والأَعشى عن أبي بكر لا يُكْذِبونك خفيف وهو قراءه علي (ع) والمروي عن جعفر الصادق (ع) والباقون يُكَذّبونك بفتح الكاف والتشديد.
الحجة: قال أبو علي: قال سيبويه قالوا حزن الرجل وحزنته وزعم الخليل أنك حيث تقول حزنته لم ترد أن تقول جعلته حزيناً كما أنك حيث قلت أدخلته أردت جعلته داخلاً ولكنَّك أردت أن تقول جعلت فيه حزناً كما تقول كحلته جعلت فيه كحلاً ودهنته جعلت فيه دهناً ولم ترد بفعلته هنا تعدّي قولـه حزن ولو أردت ذلك لقلت أحزنته، وحجة نافع إنه أراد أن يعدي حزن فنقله بالهمزة والاستعمال في حزنته أكثر منه في أحزنته فإلى كثرة الاستعمال ذهب عامة القراء وأما قولـه يكذّبونك فمن ثقَّل فهو من فعلَّته إذا نسبته إلى الفعل مثل زنَّيته وفسَّقته نسبته إلى الزنا والفسق وقد جاء في هذا المعنى أفعلته قالوا أسقيته أي قلت له سقاك الله قال ذو الرمة:

وَأُسِقيهِ حَتَّى كادَ ممَّا أُبِثُّهُ تُكَلِّمني أحْجَارِهُ ومَلاَعِبُهُ

فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحداً ويجوز أن يكون لا يكذبونك أي لا يصادفونك كاذباً كما تقول أحمدته إذا أصبته محموداً ويدل على الوجه الأَول قول الكميت:

وَطَائِفَةٌ قَدْ أَكْفَرْتَني بِحُبِّكُم وَطائِفَةٌ قالَتْ مُسِيءٌ وَمُذْنِبُ

أي نسبتني إلى الكفر قال أحمد بن يحيى: كان الكسائي يحكي عن العرب أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاءك بكذب وكذبته إذا أخبرت أنه كذاب.
المعنى: ثم سلّى سبحانه نبيَّه صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم إياه بعد إقامة الحجة عليهم فقال {قد نعلم} نحن يا محمد {إنه ليحزنك الذي يقولون} أي ما يقولون إنك شاعر أو مجنون وأشباه ذلك {فإنهم لا يكذبونك} دخلت الفاء في أنهم لأَن الكلام الأَول يقتضيه كأنه قيل إذا كان قد يحزنك قولـهم فاعلم أنهم لا يكذبونك واختلف في معناه على وجوه:
أحدها: أن معناه لا يكذبونك بقلوبهم اعتقاداً وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عناداً وهو قول أكثر المفسرين عن أبي صالح وقتادة والسدي وغيرهم قالوا يريد أنهم يعلمون أنك رسول الله ولكن يجحدون بعد المعرفة ويشهد لهذا الوجه ما روى سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني أن رسول إلله صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل فقيل له في ذلك فقال والله إني لأَعلم أنه صادق ولكنّا متى كنّا تبعاً لعبد مناف فأنزل الله هذه الآية وقال السدي: التقى أخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال له يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ها هنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا فقال أبو جهل: ويحك والله إن محمداً لصادق وما كذب قطُّ ولكن إذا ذهب بنو قُصّي باللواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش.
وثانيها: أن المعنى لا يكذبونك بحجة ولا يتمكنون من إبطال ما جئت به ببرهان ويدلُّ عليه ما روي عن علي (ع) أنه كان يقرأ لا يكذبونك ويقول: إن المراد بها إنهم لا يأتون بحق هو أحقّ من حقّك.
وثالثها: أن المراد لا يصادفونك كاذباً تقول العرب قاتلناكم فما أجبّناكم أي ما أصبناكم جبناء قال الأَعشى:

أثْوى وقَصَّــــرَ لَيْلَــةً لِيُزوَّدا فَمَضى وأخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَة مَوْعِدا

أراد صادف منها خلف الوعد وقال ذو الرمة:

تُرِيكَ بياضَ لَبَّتِـها وَوَجْهاً كَقَرْنِ الشمْسِ أفْتَقَ ثُمَّ زالا

أي وجد فتقاً من السحاب ولا يختص هذا الوجه بالقراءة بالتخفيف دون التشديد لأَن أفعلت وفعلت يجوزان في هذا الموضع وأفعلت هو الأَصل فيه ثم يشدد تأكيداً مثل أكرمت وكرَّمت وأعظمت وعظَّمت إلآ أن التخفيف أشبه بهذا الوجه.
ورابعها: أن المراد لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به لأَنك كنت عندهم أميناً صدوقاً وإنما يدفعون ما أتيت به ويقصدون التكذيب بآيات الله ويقوّي هذا الوجه قولـه {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} قولـه وكذَّب به قومك وهو الحق ولم يقل وكذَّبك قومك وما روي أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتّهمك ولا نكذّبك ولكنَّا نتّهم الذي جئت به ونكذّبه.
وخامسها: أن المراد أنهم لا يكذّبونك بل يكذّبونني فإن تكذيبك راجع إلي ولست مختصاً به لأَنك رسول الله فمن ردَّ عليك فقد ردَّ عليَّ ومن كذَّبك فقد كذَّبني وذلك تسلية منه سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقولـه {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي بالقرآن والمعجزات يجحدون بغير حجة سفها وجهلاً وعناداً ودخلت الباء في بآيات الله والجحد يتعدّى بغير الجار والمجرور لأن معناه هنا التكذيب أي يكذّبون بآيات الله وقال أبو علي: الباء تتعلق بالظالمين والمعنى ولكن الظالمين برد آيات الله أو إنكار آيات الله يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك ومثله قولـه سبحانُه
{ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } [الإسراء: 59] أي ظلموا بردّها أو الكفر بها.
ثم زاد سبحانه في تسلية نبيه صلى الله عليه وسلم بقولـه {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} أي صبروا على ما نالهم منهم من التكذيب والأَذى في أداء الرسالة {حتى أتاهم} جاءهم {نصرنا} إياهم على المكذبين وهذا أمر منه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على كفار قومه إلى أن يأتيه النصر كما صبرت الأَنبياء {ولا مبدل لكلمات الله} معناه لا أحد يقدر على تكذيب خبر الله على الحقيقة ولا على إخلاف وعده وإنّ ما أخبر الله بهِ أن يفعل بالكفار فلا بد من كونِه لا محالة وما وعدك به من نصره فلا بد من حصوله لأَنه لا يجوز الكذب في إخباره ولا الخلف في وعده وقال الكلبي وعكرمة: يعني بكلمات الله الآيات التي وعد فيها نصر الأَنبياء نحو قولـه
{ كتب الله لأَغلبن أنا ورسلي } [المجادلة: 21] وقولـه { إنهم لهم المنصورون } [الصافات: 172].
{ولقد جاءك من نبأ المرسلين} أي خبرهم في القران كيف أنجيناهم ونصرناهم على قومهم قال الأَخفش: من ها هنا صلة مزيدة كما تقول أصابنا من مطر أي مطر وقال غيره من النحويين لا يجوز ذلك لأَن من لا تزاد في الإِيجاب وإنما تزاد في النفي ومن هنا للتبعيض وفاعل جاء مضمر يدل المذكور عليه وتقديره ولقد جاءك من نبأ المرسلين نبأ فيكون المعنى أنه أخبره عليه وآله السلام ببعض أخبارهم على حسب ما علم من المصالح ويؤيد ذلك قولـه
{ ومنهم من لم نقصص عليك } [غافر: 78].