التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٧
-الأعراف

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: أيّان معناه متى وهو سؤال عن الزمان على وجه الظرف للفعل قال الشاعر:

أَيّانَ تَقْضِي حاجَتي أَيّانا أَمـــا تَرى لِنُجْحِها إبَّانا

والساعة ههنا الساعة التي يموت فيها الخلق والإرساء الإثبات ومرسيها مثبتها ورسا الشيء يرسو فهو راس إذا ثبت وأرساه غيره والحفي المستقصي في السؤال وأحفى فلان بفلان في المسألة إذا أكثر عليه وألح قال الأعشى:

فَإنْ تَسْأَلي عَنّي فَيا رُبَّ سائِلٍ حَفيٍّ عَن الأَعْشى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدا

ومنه أحفى شاربه إذا استقصى أخذه وحفيت الدابة تحفى حفى مقصوراً إذا كثر عليها ألم المشي والحفاء ممدوداً المشي بغير نعل.
الإعراب: الكاف في يسألونك المفعول الأول وعن الساعة في موضع المفعول الثاني وأيان مرساها يتعلق بمدلول السؤال والتقدير قائلين أيان مرساها. مرساها في موضع رفع بالابتداء وأيان خبره وبغتة مصدر في موضع الحال من الضمير في تأتيكم.
النزول: قيل جاء قوم من اليهود فقالوا يا محمد أخبرنا عن الساعة متى هي إن كنت نبيّاً فنزلت الآية عن ابن عباس. وقيل: قالت قريش يا محمد متى الساعة فنزلت الآية عن قتادة والحسن.
المعنى: لما تقدم الوعيد بالساعة سألوا عن وقتها فقال تعالى {يسألونك} يا محمد {عن الساعة} وهي الساعة التي يموت فيها الخلق عن الزجاج. وقيل: هي القيامة وهو وقت قيام الناس في الحشر عن أكثر المفسرين. وقيل: هو وقت فناء الخلق عن الجبائي {أيان مرساها} أي متى وقوعها وكونها عن الزجاج. وقيل: مرساها منتهاها عن ابن عباس. وقيل: قيامها عن قتادة والسدي.
{قل} يا محمد {إنما علمها عند ربي} أي إنما علم وقت قيامها ومجيئها عند الله تعالى لم يطلع عليه أحد من خلقه وإنما لم يخبر سبحانه بوقتها ليكون العباد على حذر منه فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة وأزجر عن المعصية {لا يجليها لوقتها إلا هو} أي لا يظهرها ولا يكشف عن علمها ولا يبين وقتها إلا هو فلا يعلم أحد سواه متى يكون قبل وقتها. وقيل: معناه لا يأتي بها إلا هو عن مجاهد.
{ثقلت في السماوات والأرض} ذكر فيه وجوه:
أحدها: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض لأن من خفي عليه علم شيء كان ثقيلاً عليه عن السدي وغيره قال أبو علي الفارسي: أصل هذا قولـهم أحطت به علماً أي ذل لي فصرت لعلمي به غالباً عليه فخفَّ علي ولم يثقل كما يثقل ما لا تعلمه عليك.
وثانيها: أن معناه عظمت على أهل السماوات والأرض صفتها لما يكون فيها من انتثار النجوم وتكوير الشمس وتسيير الجبال وغير ذلك عن الحسن وابن جريج.
وثالثها: ثقل وقوعها على أهل السماوات والأرض لعظمها وشدتها ولما فيها من المحاسبة والمجازاة عن الجبائي وأبي مسلم وجماعة.
ورابعها: أن المراد نفس السماوات والأرض أي لا تطيق السماوات والأرض حملها لعظمها وشدتها عن قتادة والمعنى أنها لو كانت أحياء لثقل عليها تلك الأحوال من انفطار السماوات وانكدار النجوم وتسيير الجبال وغيرها.
{لا تأتيكم إلا بغتة} أي فجأة لتكون أعظم وأهول {يسألونك كأنك حفي عنها} معناه يسألونك عنها كأنك حفي بها أي عالم بها قد أكثرت المسألة عنها عن مجاهد والضحاك وأصله من أحفيت في السؤال عن الشيء حتى علمته أي استقصيت فيه وروي عن ابن عباس أنه قرأ كأنك حفي بها فعلى هذا يكون الجار والمجرور الذي هو عنها محذوفاً لدلالة الحال عليها كما يكون في التقدير الأول يكون الجار والمجرور الذي هو بها محذوفاً للدلالة عليها أيضاً ألا ترى أنه إذا كان حفياً بها فلا بد أن يسأل عنها كما أنه إذا سأل عنها فليس ذلك إلاّ للحفاوة بها.
وقيل فيه معنى آخر وهو أن يكون تقديره يسألونك عنها كأنك حفي بهم أي بارّ بهم فرح بسؤالهم والحفاوة في المسألة هي البشاشة بالمسؤول عنه. وقيل: معناه كأنك معني بالسؤال عنها فسألت عنها حتى علمتها وعلى هذا فإن السؤال يوصل بعن فلما وضع قولـه حفي موضع السؤال وصله بعن وتقديره كأنك حفي بالمسألة عنها أو تسأل عنها فتعلمها.
{قل} يا محمد {إنما علمها عند الله} لا يعلمها إلا هو وإنما أعاد سبحانه هذا القول لأنه وصله بقولـه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. وقيل: أراد بالأول علم وقت قيامها وبالثاني علم كيفيتها وهيئتها وتفصيل ما فيها عن الجبائي قال: وهذا يدل على بطلان قول الرافضة أن الأئمة منصوص عليهم بأعيانهم إمام بعد إمام إلى يوم القيامة لأنه لو كان كذلك لوجب أن يعلم آخر الأئمة أن القيامة تقوم بعده وذلك خلاف قولـه قل إنما علمها عند الله وهذا ضعيف لأنه غير ممتنع أن يعلم آخر الأئمة أنه لا إمام بعده وإن لم يعلم وقت قيام الساعة لأنه لا يعلم وقت وفاته بعينه هذا إذا قيل إن الساعة وقت فناء الخلق أو موتهم وإذا قيل إن الساعة عبارة عن وقت الحشر فقد زالت الشبهة لأنه إذا علم أنه يغني الخلق بعده لا يجب أن يعلم متى يحشر الخلق على أنه قد وردت الرواية أن التكليف يزول عند موت آخر الأئمة لظهور أشراط الساعة وإمارات قيامها نحو طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك ومع هذا فيجوز أن لا يعلم وقت قيام الساعة.