التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٧
وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
٢٨
-الأنفال

مجمع البيان في تفسير القرآن

اللغة: الخيانة منع الحق الذي قد ضمن التأدية فيه وهي ضد الأمانة وأصلها أن تنقص من ائتمنك أمانته قال زهير:

بِآرِزَةِ الفِقَـــارَةِ لَمْ يَخُنْـــــها قِطافٌ فِي الرِّكابِ وَلا خَلاءُ

أي لم ينقص من فراهتها.
الإعراب: وتخونوا مجزوم على النهي وتقديره ولا تخونوا عن الأخفش وهو في معنى قول ابن عباس. وقيل: إنه نصب على الظرف مثل قول الشاعر:

لا تَنْهَ عَنْ خُلقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ عــارٌ عَلَيْكَ إِذا فَعَلْتَ عَظِيمُ

وهو في معنى قول السدي.
النزول: قال عطاء: سمعت جابر بن عبد الله يقول إن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبرائيل (ع) النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا قال فكتب إليه رجل من المنافقين أن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله هذه الآية.
وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم فيفشونه حتى يبلغ المشركين وقال الكلبي والزهري: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فقالوا أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحاً لهم لأن عياله وماله وولده كانت عندهم فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فقالوا ما ترى يا أبا لبابة أننزل على حكم سعد بن معاذ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه أنه الذبح فلا تفعلوا فأتاه جبرائيل (ع) فأخبره بذلك قال أبو لبابة فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية فيه.
فلما نزلت شدَّ نفسه على سارية من سواري المسجد وقال والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له يا أبا لبابة قد تيب عليك فقال لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلّني فجاءه فحلَّه بيده ثم قال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي فقال صلى الله عليه وسلم يجزئك الثلث أن تصدّق به وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.
المعنى: ثم أمرهم الله سبحانه بترك الخيانة فقال {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} أي لا تخونوا الله بترك فرائضه والرسول بترك سننه وشرائعه عن ابن عباس. وقيل: إن من ترك شيئاً من الدين وضيَّعه فقد خان الله ورسوله عن الحسن {وتخونوا أماناتكم} يعني الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد يعني الفرائض التي يقول لا تنقصوها عن ابن عباس. وقيل: إنهم إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم عن السدي {وأنتم تعلمون} ما في الخيانة من الذم والعقاب. وقيل: وأنتم تعلمون أنها أمانة من غير شبهة.
{واعلموا} أي وتحقّقوا وأيقنوا {أنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي بلية عليكم ابتلاكم الله تعالى بها فإن أبا لبابة حمله على ما فعله ماله الذي كان في أيديهم وأولاده الذين كانوا بين ظهرانيهم {وأن الله عنده أجر عظيم} لمن أطاعه وخرج إلى الجهاد ولم يخن الله ورسوله وذلك خير من الأموال والأولاد.
بيَّن سبحانه بهذه الآية أنه يختبر خلقه بالأموال والأولاد ليتبين الراضي بقسمة ممن لا يرضى به وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ولكن ليظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب وإلى هذا أشار أمير المؤمنين علي (ع) في قولـه لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة لأنه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ولكن من استعاذ فليستعذ من مُضِلاّت الفتن فإن الله تعالى يقول {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود أيضاً.