التفاسير

< >
عرض

تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ
٨٠
وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
٨١
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
٨٢
وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ
٨٣
وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ
٨٤
فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ
٨٥
-المائدة

تفسير القرآن

احتج الله على المؤمنين الموالين للكفار {وترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم - إلى قوله - ولكن كثيراً منهم فاسقون} [80-81] فنهى الله عز وجل أن يوالي المؤمن الكافر إلا عند التقية.
وأما قوله {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} [82] فإنه كان سبب نزولها أنه لما اشتدت قريش في أذى رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه الذين آمنوا به بمكة قبل الهجرة أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخرجوا إلى الحبشة، وأمر جعفر بن أبي طالب عليه السلام أن يخرج معهم، فخرج جعفر ومعه سبعون رجلاً من المسلمين حتى ركبوا البحر، فلما بلغ قريش خروجهم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النجاشي ليردوهم، وكان عمرو وعمارة متعاديين، فقالت قريش كيف نبعث رجلين متعاديين فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة وبرئت بنو سهم من جناية عمرو بن العاص، فخرج عمارة وكان حسنن؟ الوجه شاباً مترفاً فأخرج عمرو بن العاص أهله معه فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال عمارة لعمرو بن العاص، قل لأهلك تقبلني، فقال عمرو: أيجوز هذا سبحان الله فسكت عمارة فلما انتشأ عمرو وكان على صدر السفينة، دفعه عمارة وألقاه في البحر فتشبث عمرو بصدر السفينة وأدركوه فاخرجوه، فوردوا على النجاشي وقد كانوا حملوا إليه هدايا فقبلها منهم، فقال عمرو بن العاص أيها الملك إن قوماً منا خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وصاروا إليك فردهم إلينا، فبعث النجاشي إلى جعفر فجاؤا به، فقال يا جعفر ما يقول هؤلاء؟ فقال جعفر أيها الملك وما يقولون؟ قال يسألون أن أردكم إليهم، قال أيها الملك سلهم أعبيد نحن لهم؟ فقال عمرو لا بل أحرار كرام، قال: فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها؟ قال: لا مالنا عليكم ديون، قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها؟ قال: عمرو لا، قال: فما تريدون منا آذيتمونا فخرجنا من بلادكم، فقال عمرو بن العاص أيها الملك خالفونا في ديننا وسبوا آلهتنا وأفسدوا شبابنا وفرقوا جماعتنا فردهم إلينا لنجمع أمرنا، فقال جعفر: نعم أيها الملك خالفناهم بأنه بعث الله فينا نبياً أمر بخلع الأنداد، ترك الاستقسام بالازلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة، وحرم الظلم والجور، وسفك الدماء بغير حقها والزناء والربا والميتة والدم، وأمرنا بالعدل والإِحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فقال النجاشي بهذا بعث الله عيسى بن مريم عليه السلام، ثم قال النجاشي يا جعفر هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئاً؟ قال نعم فقرأ عليه سورة مريم فلما بلغ إلى قوله:
{ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً فكلي واشربي وقري عيناً } [مريم: 25-26] فلما سمع النجاشي بهذا بكى بكاء‌اً شديداً، وقال هذا والله هو الحق، فقال عمرو بن العاص أيها الملك إن هذا مخالفنا فرده إلينا، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو ثم قال: اسكت، والله يا هذا لأن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك، فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه وهو يقول إن كان هذا كما تقول أيها الملك فإنا لا نتعرض له، وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه، فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلاً فأحبته فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله، قال لعمارة لو راسلت جارية الملك، فراسلها فأجابته، فقال عمرو قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئاً، فقال لها فبعثت إليه فاخذ عمرو من ذلك الطيب، وكان الذي فعل به عمارة في قلبه حين ألقاه في البحر فأدخل الطيب على النجاشي، فقال أيها الملك إن حرمة الملك عندنا وطاعته علينا وما يكرمنا إذا دخلنا بلاده ونأمن فيه أن لا نغشه ولا نريبه إان صاحبي هذا الذي معي قد أرسل حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك ثم وضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي وهم بقتل عمارة ثم قال لا يجوز قتله فإنهم دخلوا بلادي فأمان لهم، فدعا النجاشي السحرة فقال لهم اعملوا به شيئاً أشد عليه من القتل، فأخذوه ونفخوا في إحليله الزئبق فصار مع الوحش يغدو ويروح، وكان لا يأنس بالناس فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش فأخذوه فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتى مات.
ورجع عمرو إلى قريش فأخبرهم أن جعفر في أرض الحبشة في أكرم كرامة فلم يزل بها حتى هادن رسول الله صلى الله عليه وآله قريشاً وصالحهم وفتح خيبر فوافى بجميع من معه وولد لجعفر بالحبشة من أسماء بنت عميس عبد الله بن جعفر، وولد للنجاشي ابن فسماه محمداً، وكانت أم حبيب بنت أبي سفيان تحت عبد الله فكتب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى النجاشي يخطب أم حبيب، فبعث إليها النجاشي فخطبها لرسول الله صلى الله عليه وآله فأجابته، فزوجها منه وأصدقها أربعمائة دينار وساقها عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعث إليها بثياب وطيب كثير وجهزها وبعثها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعث إليه بمارية القبطية أم إبراهيم، وبعث إليه بثياب وطيب وفرس، وبعث ثلاثين رجلا من القسيسين، فقال لهم انظروا إلى كلامه وإلى مقعده ومشربه ومصلاه فلما وافوا المدينة دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الإسلام وقرأ عليهم القرآن
{ وإذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك } - إلى قوله - { فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين } [المائدة: 110] فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله يكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فأخبروه خبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقرأوا عليه ما قرأ عليهم، فبكى النجاشي وبكى القسيسون وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة إسلامه وخافهم على نفسه وخرج من بلاد الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما عبر البحر توفي فأنزل الله على رسوله {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود - إلى قوله - وذلك جزاء المحسنين} [82-85].