التفاسير

< >
عرض

الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ
١
رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
٢
-الحجر

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ أهل المدينة وعاصم {ربما} بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وروي عن أبي عمرو: الوجهان. قال أبو علي أنشد أبو زيد:

ماويّ يا ربتما غارة شعواء كاللذعة بالميسم

قال الازهري: الماوي الرحمة، وأنشد ايضاً ابو زيد:

يا صاحبا ربه إِنسان حسن يسأل عنك اليوم او تسأل عن

وقال قطرب, والسكري: ربّما، وربَما، وربتما, وربُّ، ربَّ: ست لغات، قال سيبويه (رب) حرف وتلحقها (ما) على وجهين:
احدهما - ان تكون نكرة بمعنى شيء كقوله:

ربما تجزع النفوس من الأمـــ ـــر له فرجة كحلّ العقال

فـ (ما) في هذا البيت إِسم؛ لما يقدر من عود الذكر اليه من الصفة. والمعنى: رب شيء تكرهه النفوس، واذا عاد اليه الهاء كان إِسماً، ولم يجز أن يكون حرفاً. والضرب الآخر ان تدخل (ما) كافة نحو الآية، ونحو قول الشاعر:

ربما أوفيت في علم يرفعن ثوبي شمالات

والنحويون يسمون (ما) هذه كافة يريدون: أنها بدخولها كفت الحرف عن العمل الذي كان هيأها لدخولها على ما لم تكن تدخل عليه، ألا ترى ان (رب) انما تدخل على الاسم المفرد؛ نحو رب رجل يقول ذلك, وربه رجل يقول، ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت (ما) عليها هيأتها للدخول على الفعل، كما قال {ربما يود الذين كفروا} فوقع الفعل بعدها - في الآية - وهو على لفظ المضارع، ووقع في قوله (ربما أوفيت في علم) على لفظ الماضي، وهكذا ينبغي في القياس لأنها تدل على أمر قد وقع ومضى، وإِنما وقع - في الآية - على لفظ المضارع، لأنه حكاية لحال آتية كما ان قوله { وإِن ربك ليحكم بينهم } } حكاية لحال آتية ايضاً، ومن حكاية الحال قول القائل:

جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالايماض

ومن زعم ان الآية على اضمار (كان) وتقديره ربما كان يود، فقد خرج عن قول سيبويه، لأنهم لا يضمرون على مذهبه (كان) في قول القائل: عبد الله المقتول اي كن عبد الله المقتول. واما اضمار (كان) بعد إِن خيراً فخيراً، فإِنما جاز ذلك, لإِقتضاء الحرف له، فصار اقتضاء الحرف له كذكره، فاما ما أنشده ابن حبيب، فيهان ابن مسكين:

لقد رزيت كعب بن عوف وربما فتى لم يكن يرضى بشيء يضيمها

فان قوله (فتى) يحتمل ضروباً:
احدها - ان يكون لما جرى ذكر (رزيت) استغنى بجري ذكره عن اعادته، فكانه قال: ربما رزيت فتى، فأنتصب فتى برزيت المضمرة، كقوله
{ { آلآن وقد عصيت } فاستغنى بذكر آمنت المعلوم عن اظهاره بعد، ويجوز ان يكون انتصب بـ (رزيت) هذه المذكورة، كأنه قال: لقد رزيت كعب بن عوف فتى وربما لم يكن يرضى اي رزيت فتى لم يكن يضام، ويكون هذا الفصل وهو اجنبي بمنزله قوله:

ابو أمه حي أبوه يقاربه

ويجوز ان يكون رفعا بفعل مضمر كانه قال ربما لم يرضى فتى كقوله:

وقلما وصال على طول الصدود يدوم

ويجوز ان تكون (ما) نكرة بمنزلة شيء ويكون فتى وصفاً لها، كأنه قال: رب شيء فتى لم يكن كذا، فهذه الاوجه فيها ممكنة، ويجوز في الآية ان تكون (ما) بمنزلة شيء و (ودّ) صفة له، لان (ما) لعمومها تقع على كل شيء فيجوز ان يعنى بها الودّ كأنه رب ودّ يودّه الذين كفروا، ويكون يودّ في هذا الوجه حكاية حال لانه لم يكن كقوله { فارجعنا نعمل صالحاً } } وقوله { { يا ليتنا نردّ ولا نكذب } } واما من خفف، فلانه حرف مضاعف والحروف المضاعفة قد تحذف، وان لم يحذف غير المضاعف، فمن المضاعف الذي حذف (ان، وان, ولكن) قد حذف كل واحد من الحروف، وليس كل المضاعف يحذف، لاني لا أعلم الحذف في (ثم)، قال الهذلي:

ازهير إِنْ يشب القذال فانني رب هيضل لجب لففت بهيضل

واما دخول التاء في (ربتما) فان من الحروف ما يدخل عليه حرف التأنيث نحو (ثمَّ, وثمّت، ولا، ولات) قال الشاعر:

ثمت لا يحزونني غير ذالكم ولكن سيحزنني المليك فيعقبا

فلذلك الحق التاء في قوله "ربتما" وقال المبرد: قال الكسائي: العرب لا تكاد توقع (رب) على أمر مستقبل؛ وهذا قليل في كلامهم، وإِنما المعنى عندهم ان يوقعوها على الماضي, كقولهم: ربما فعلت ذلك، وربما جاءني فلان. وإِنما جاء هذا في القرآن، على ما جاء في التفسير، ان ذلك يكون يوم القيامة. وإِنما جاز هذا، لأن كل شيء من أمر الله خاصة فإِنه وإِن لم يكن وقع بعد، فهو كالماضي الذي قد كان، لأن وعده آت لا محالة, وعلى هذا عامة القرآن، نحو قوله { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض } وقوله { وسيق الذين اتقوا } } { { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } } ومع هذا يحسن ان يقال - في الكلام - اذا رأيت الرجل يفعل ما يشاء، تخاف عليه, ربما يندم، وربما يتمنى ان لا تكون فعلت، قال: وهذا كلام عربي حسن, ومثله قال الفراء والمبرد وغيرهم.
فان قيل لم قال {ربما يود الذين كفروا} ورب للتقليل؟ قلنا عنه جوابان:
احدهما - انه شغلهم العذاب عن تمني ذلك الا في القليل.
والثاني - انه أبلغ في التهديد كما تقول: ربما ندمت على هذا، وأنت تعلم أنه يندم ندماً طويلاً، أي يكفيك قليل الندم، فكيف كثيره.
فان قيل: لم قال {تلك آيات الكتاب وقرآن} والكتاب هو القرآن؟ ولم أضاف الآيات الى الكتاب، وهي القرآن, وهل هذا إِلا اضافة الشيء الى نفسه؟!
قلنا: إِنما وصفه بالكتاب والقرآن, لإِختلاف اللفظين، وما فيهما من الفائدتين وإِن كانا لموصوف واحد، لأن وصفه بالكتاب يفيد انه مما يكتب ويدوّن، والقرآن يفيد أنه مما يؤلف ويجمع بعض حروفه الى بعض قال الشاعر:

الى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم

وقال مجاهد وقتادة: المراد بالكتاب: ما كان قبل القرآن من التوراة والانجيل، فعلى هذا سقط السؤال: فأما إِضافة الشيء الى نفسه، فقد بينا الوجه فيما مضى فيه، وانه يجري مجرى قولهم مسجد الجامع وصلاة الظهر ويوم الجمعة. وقوله تعالى { لحق اليقين } وهو مستعمل مشهور وبينا الوجه فيه، ووصف القرآن بانه مبين لانه يظهر المعنى للنفس, والبيان ظهور المعنى للنفس بما يميزه من غيره، لان معنى إِبانته منه فصل منه، فاذا ظهر النقيضان في معنى الصفة فقد بانت وفهمت.
و (الود) التمنى يقال: وددته اذا تمنيته، ووددته اذا أحببته أود فهيما جميعاً ودَّاً. وقال الحسن: اذا رأى المشركون المؤمنين دخلوا الجنة تمنوا أنهم كانوا مسلمين، وقال مجاهد: اذا رأى المشركون المسلمين يغفر لهم ويخرجون من النار يودون لو كانوا مسلمين.