التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٩٢
وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٩٣
-النحل

التبيان الجامع لعلوم القرآن

هذا نهي من الله تعالى للمكلفين ان يكونوا {كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً} فواحد الانكاث نكث، وكل شيء نقض بعد الفتل فهو أنكاث: حبلاً كان او غزلاً، يقال منه: نكث فلان الحبل ينكثه نكثاً، والحبل منتكث اذا انتقضت قواه. و (الدخل) ما أدخل في الشيء على فساد، والمعنى تدخلون الايمان على فساد للغرور، وفي نيتكم الغدر بمن حلفتم له، لأنكم أكثر عدداً منهم أو، لان غيركم اكثر عدداً منكم وقيل الدخل الدغل والخديعة، وإِنما قيل الدخل، لأنه داخل القلب على ترك الوفاء والظاهر على الوفاء. وقيل {دخلاً} غلاّ وغشّاً، ويقال: انا اعلم دخل فلان ودخله ودخلته ودخيلته، والمعنى لا تنقضوا الايمان لكثرتكم، وقلة من حلفتم له او لقلتكم وكثرتهم، فاذا وجدتم اكثر منهم نقضتم بل احفظوا عهدكم. و {دخلاً} منصوب بأنه مفعول له.
وقوله {أن تكون أمّة هي أربى من أمَّة} اي اكثر عدداً لطلب العز بهم مع الغدر بالأقل، وهو (أفعل) من الربا، قال الشاعر:

واسمر خطيّ كأن كعوبه نوى العسيب قد اربا ذراعاً على عشر

ومنه أربا فلان للزيادة التي يزيدها على غريمه في رأس ماله (واربى) في موضع رفع. واجاز الفراء ان تكون في موضع نصب، وتكون هي عماداً. وقال الزجاج: لا يجوز ذلك، لان العماد لا يكون بين نكرتين، لان {أمَّة} نكرة، ويفارق قوله { تجدوه عند الله هو خيراً } لأن الهاء في تجدوه معرفة.
وقوله {إنما يبلوكم الله به} معناه إِنما يختبركم الله بالامر بالوفاء، فالهاء في (به) عائدة على الأمر، وتحقيقه يعاملكم معاملة المختبر ليقع الجزاء بالعمل {وليبين لكم} أي ويفصل لكم ويظهر لكم {ما كنتم تختلفون} في صحته يوم القيامة.
والتى نقضت غزلها من بعد إِبرام قيل: إِنها ريطة بنت عمرو بن كعب ابن سعيد بن تميم بن مرة، وكانت حمقاء، فضربه الله مثلاً، فقال {أوفوا بعهد الله إِذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} فتكونوا إِن فعلتم ذلك كإِمرأة غزلت غزلاً، وقوت قوته وأبرمت، فلما استحكم نقضته، فجعلته أنكاثاً أي انقاضاً، وهو ما ينقض من اخلاق بيوت الشعر والوبر ليعزل ثانية، ويعاد مع الجديد، ومنه قيل: لم بايع طائعاً ثم خرج عليك ناكثاً؟ لأنه نقض ما وكّده على نفسه بالايمان والعهود كفعل الناكثة غزلها.
ومعنى {أن تكون} لأن تكون {أمة} أعزّ من أُمّة، وقوم أعلى من قوم، يريد لا تقطعوا بأيمانكم حقوقاً لهؤلاء، فتجعلوها لهؤلاء. وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فإِذا وجدوا أكثر منهم نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا اولئك الذين هم أَعزّ، فنهاهم الله عن ذلك.
وقوله {ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة} اخبار منه تعالى عن أن العباد إِذا خالفوا أمره لم يعاجزوه، ولم يغالبوه تعالى عن ذلك، لأنه لو يشاء لأكرههم على أن يكونوا أمة واحدة، لكنه يشاء أن يجتمعوا على الايمان، على وجه يستحقون به الثواب. ومثله قوله
{ ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض } } كذلك قال سبحانه - ها هنا - ولكن ليمتحنكم ويختبركم لتستحقوا النعيم الذي أراده لكم، فيضل قوم، ويستحقوا الاضلال عن طريق الجنة، والحكم عليهم بأنهم ضالون. ويهتدي آخرون، فيستحقوا الهدى يعني الحكم لهم بالهداية، وإِرشادهم إِلى طريق الجنة. ثم قال {ولتسألن} يا معشر المكلفين {عما كنتم تعملون} في الدنيا من الطاعات والمعاصي، فتجازون عليه بقدره.