التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٠
-البقرة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

موضع اذا نصب كما تقدم وهو عطف على ما مضى. فكأنه قال: واذكروا اذ فرقنا بكم البحر: وذلك من جملة نعم الله تعالى التي عددّها عليهم مما فعله مع اسلافهم.
ومعنى فرقنا بكم البحر أي فرقنا بين الماءين حتى مررتم فيه وكنتم فرقا بينهما.
اللغة:
والفرق والفصل والقطع نظائر: والفرق يقتضي الجمع يقال فرق فرقا. وافرق المريض افراقا وافترق الشيء افتراقا. واستفرق استفراقا. وفرقه تفريقا. وتفارقوا تفارقا وتفرق تفرقا وفارقه مفارقة وانفرق انفراقا والفرق موضع المفرق من الرأس والفرق تفريق ما بين الشيئين والفرق فرجك ما بين شيئين تفرق بينهما فرقا، حتى يتفرقا ويفترقا، وتقول تفارق هؤلاه الصبحة أي فارق بعضهم بعضاً، وافترقوا وتقول: مشطت الماشطة كذا وكذا فرقا. أي كذا وكذا ضربا. والفرق طائفة من الناس. قال أعرابي لصبيان رآهم هؤلاء فرق سوء والفرق: الطائفة من كل شيء، ومن الماء، اذا انفرق بعضه عن بعض. وكل طائفة من ذلك فرق. وقوله:
{ فكان كل فرق كالطود العظيم } يعني الفرق من الماء، والفريق الطائفة من الناس. والفرقة: مصدر الافتراق. وهو احد ما خالف فيه مصادر افعل. والفرقان: اسم للقرآن. وكل كتاب انزل الله وفرق به بين الحق والباطل فهو فرقان. وسمى الله تعالى التوراة فرقانا. وقوله: { يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } كان يوم بدر ويوم احد فرق الله بين الحق والباطل. والفرق هو الفلق. والمفرق هو مكيال لأهل العراق والفرق: الخوف. تقول: رجل فروقة وامرأة فروقة والفعل فرق يفرق من كذا فرقا. وقوله: { وقرآناً فرقناه } مخفف ـ معناه احكمناه كقوله: { فيها يفرق كل أمر حكيم } وتقول: مفرق ما بين الطرفين. وافرق فلان من مرضه افراقا اذا برىء ولا يكون الافراق إلا من مرض لا يصيب الانسان إلا دفعة واحدة: نحو الجدري، والحصبة، وديك افرق: اذا انفرق عرفه. وتيس افرق: اذا تباعد طرفا قرنيه. ورجل فروقة وكذلك المرأة: مثل، نسابة وعلاّمة وجاء مصدر فرقته تفرقة. والفرق الذي جاء في الحديث: " ما اسكر الفرق. فالجرعة منه حرام" ، مكيال يعرف بالمدينة. وفرقة من الناس ومعه فرق. واصل الفرق الفصل بين الشيئين. والفريقة حلبة تطبخ بتمر للنفساء وغيرها. والبحر يسمى بحراً وهو انبساطه وسعته ويقال استبحر فلان في العلم وتبحر لاستبحاره اذا اتسع فيه وتمكن منه. ويقال تبحر الراعي في رعي كثير. قال امية الصغير:

انفق نصابك في نفل تبحره من الاباطح واحبسها بخلدان

وتبحر فلان في الماء. ومن ذلك بحيرة طبرية وهي عشرة اميال في ستة اميال وقيل: هي علامة خروج الدجال اذا يبست، فلا يبقى منها قطرة ماء. وبحرت اذن الناقة بحراً اذا شققتها. وهي البحير وكانت العرب تفعل ذلك اذا انتجت عشرة ابطن فلا تركب ولا ينتفع بظهرها. فنهى الله عن ذلك. والسائبة التي تسيب فلا ينتفع منها بظهر ولا لبن. والوصيلة في الغنم كانت اذا وضعت انثى تركت وان وضعت ذكراً أكله الرجال، دون النساء. وان ماتت الانثى الموضوعة اشتركوا في أكلها، وان ولد مع الميتة ذكر حي اتصلت به، كانت للرجال دون النساء. ويسمونها وصيلة. وقد قيل غير ذلك سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. والباحر الاحمق الذي لبس في حديثه اذا كلم بقي كالمبهوت. وبحراني منسوب إلى البحرين ودم بحراني وباحر: اذا كان خالص الحمرة من دم الجوف. والعرب تسمي المالح والعذب بحراً اذا كثر ومنه قوله: { مرج البحرين يلتقيان } يعني المالح والعذب وأصل الباب الاتساع. والبحر: هو المجرى الواسع الكثير الماء. واما المالح: فهو الذي لا يرى حافتيه من في وسطه، لعظمه وكثرة مائه. فدجلة بحر بالاضافة إلى الساقية. وليست بحراً بالاضافة إلى جدة، وما جرى مجراها.
المعنى
: ومعنى قوله {فرقنا بكم البحر} أي جعلناكم بين فرقيه تمرون في طريق يبس كما قال تعالى:
{ فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً } وقال: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } وقال بعضهم في معنى فرقنا يعني بين الماء وبينكم أي فصلنا بينكم وبينه حجزنا حيث مررتم فيه وهذا خلاف الظاهر، وخلاف ما بينه في الآيات الاخر التي وردت مفسرة لذلك، ومبنية لما ليس فيه اختلاف.
وقوله:
{وأغرقنا آل فرعون}
اللغة:
قال صاحب العين: الغرق: الرسوب في الماء ويشبه به الدين والبلوى والتغريق والتغويص والتغييب نظائر. والنجاة ضد الغرق كما انها ضد الهلاك. يقال غرق غرقا واغرق في الامر اغراقا. وغرقه تغريقا وتغرق تغرقا. ورجل غرق وغريق. وغرقت السيل واغرقته اذا بلغت به غاية المد في النفوس. والفرس اذا خالط، ثم سبقها: يقال اغترقها. والغرق من اللبن القليل. قال ابن دريد: غرق يغرق غرقا في الماء. وغرق في الطيب، والمال. واصله في الماء. وكثر فاستعمل في غيره. وكذلك غرق في الذنوب. واغرق في الأمر يغرق إغراقا: اذا جاوز الحد فيه. واصله من نزع السهم حتى يخرجه من كبد القوس. واغرورقت عيناه: شرقت بدمعها. وجمع غريق: غرقى واصل الباب الغرق: الرسوب في الماء.
وقوله:
{وأنتم تنظرون} قال المفسرون: وانتم ترون ذلك وتعاينونه.
اللغة:
والنظر والبصر والرؤية نظائر في اللغة. يقال نظر ينظر نظراً. وانظر ينظر انظاراً. وانتظر انتظاراً. واستنظر استنظاراً. وتناظر تناظراً. وناظره. مناظرة. قال صاحب العين: نظر ينظر نظراً ـ بتخفيف ـ المصدر. وتقول: نظرت إلى كذا - من غير ذكر العين ـ ونظرت في الكتاب ونظرت في الأمر. وقول القائل انظر إلى الله تعالى، ثم اليك معناه اني اتوقع فضل الله ثم فضلك. ويقال: نظرت بعلمي ويقال انظر الدهر اليهم أي اهلكهم قال الشاعر:

نظر الدهر اليهم فابتهل

والنظر: الاسم من نظر. وقوله: {لا ينظر إليهم} أي لا يرحمهم. والمنظور من الناس هو المرجو فضله. ينعت به السيد. والنظور: الذي لا يغفل عن النظر إلى ما اهمه. والمناظرة ان تناظر اخاك في امر تنظر انت في ذلك وينظر هو فيه كيف تأتيانه. والمنظرة موضع في رأس جبل يكون فيه رقيب ينظر فيه إلى العدو ويحرس اصحابه. والمنظرة منظرة الرجل اذا نظرت اليه اعجبك أو اساءك. تقول: انه لذو منظرة بلا مخبرة والمنظر مصدر كالنظر. والمنظر: الشيء الذي يعجب بالنظر اليه ويسرّ به. تقول: ان فلانا لفي منظر ومسمع وفي ري ومشبع أي فيما أحب النظر اليه. ونظار بمعنى انتظر في الامر. وناظر العين. النقطة السوداء الخالصة الصافية التي في جوف سوداء العين مما يرى انسان العين والنظير: نظيرك الذي هو مثلك. والانثى نظيرة. وجمعه نظائر في الكلام والانشاء. ونظرته وانتظرته بمعنى واحد ويقول انظرني يا فلان أي استمع الي لقوله: { لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا } وتقول: بعت فلانا فانظرته. أي انسأته والاسم النظرة. ومنه قوله: { فنظرة إلى ميسرة } أى فانتظار. واستنظر فلان ـ من النظرة ـ: اذا هو سأل. والنظر توقع أمر تنتظره. وبفلان نظرة أى سوء هيئة وقوله: { انظرونا نقتبس من نوركم } أي انتظرونا. واصل الباب كله الاقبال نحو الشيء بوجه من الوجوه. وقال قوم: إن النظر اذا كان معه إلى، لايحتمل الا الرؤية. وحملوا قوله { { إلى ربها ناظرة } على ذلك وقالوا لا يحتمل التأمل. وذلك غلط، لأنهم يقولون: انما انظر إلى الله ثم اليك بمعنى اتوقع فضل الله ثم فضلك. وقال الطريح ابن اسماعيل:

واذا نظرت اليك من ملك والبحر دونك جرتني نعماء

وقال جميل بن معمر:

اني اليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسر

وقال آخر:

وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمان تأتي بالفلاح

واتوا بـ (الى) على معنى نظر الانتظار والصحيح ان النظر لا يفيد الرؤية وانما حقيقته تحديق الجارحة الصحيحة نحو المرئي طلباً لرؤيته ولو افاد الرؤية، لما جعل غاية لنفسه، الا تراهم يقولون: ما زلت انظر اليه ولا يقولون ما زلت أراه حتى رأيته، ولأنهم يثبتون النظر وينفون الرؤية يقولون: نظرت اليه فلم أره ولا يقولون رأيته فلم أره.
المعنى:
فاذا ثبت هذا، فالأولى ان نقول: إن تأويل الآية {وأغرقنا آل فرعون} وانتم مقبلون عليهم متوقعون له وقال الفرّاء قد كانوا في شغل من ان ينظروا مستورين بما اكتنفهم من البحر من ان يروا فرعون وغرقه ولكنه كقولك: قد ضربت واهلك ينظرون. فما اتوك، ولا اعانوك. ومعناه وهم قريب بمرأى ومسمع ومثله قوله:
{ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } وليس ها هنا رؤية، وانما هو علم، لأن الرؤية تستعمل في مثل ذلك يقول القائل رأيت فرعون اعتى الخلق واخبثه وهذا الذي ذكره الفرّاء محتمل مليح، غير انه مخالف لقول المفسرين كلهم فانهم لا يختلفون أن اصحاب موسى رأوا انفراق البحر والتطام امواجه بآل فرعون، حتى غرقوا فلا وجه للعدول عن الظاهر مع احتماله ولأنهم اذا عاينوا ذلك، كانوا أشد في قيام الحجة، واعظم في ظهور الآية وذكر الزجاج وجهاً آخراً قال: معناه وانتم بازائهم. كما يقول القائل: دور آل فلان إلى دور آل فلان أي هي بازائها، لأنها لا تبصر.
قصة موسى (ع):
وقصه فرعون مع بني اسرائيل في البحر. ولا نعلم جملة ما قال ابن عباس: ان الله اوحى إلى موسى
{ أن أسر بعبادي إنكم متبعون } فسرى موسى ببني اسرائيل ليلا { فأرسل فرعون } في الف الف حصان سوى الاناث. وكان موسى في ستمائة الف. فلما عاينهم قال: { إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون } فسرى موسى ببني اسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فاذا هو برهج دواب فرعون { فقالوا يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } هذا البحر امامنا وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه { { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } قال فاوحى الله إلى موسى {أن اضرب بعصاك البحر} واوحى إلى البحر ان اسمع لموسى واطع اذا ضربك. قال فبات البحر له أفكل أي له رعدة لا يدري من أي جوانبه يضربه. قال فقال يوشع لموسى (ع) بماذا امرت قال: امرت ان اضرب البحر. قال فاضربه. فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق، فكان اثنا عشر طريقاً كالطود العظيم فكان لكل سبط منهم طريق ياخذون فيه فلما اخذوا في الطريق، قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى اصحابنا قالوا لموسى: اصحابنا لا نراهم. فقال لهم: سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم. فقالوا لا نرضى حتى نراهم. فيقال ان موسى قال لله تعالى: اللهم اعّني على اخلاقهم السيئة. فاوحى الله اليه انقل بعصاك هكذا يميناً وشمالاً. فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض. قال ابن عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون هو واصحابه وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان. فلما هجم على البحر هاب الحصان ان يتقحم على البحر، فتمثل له جبرائيل على فرس انثى وديق فلما رآها الحصان تقحم خلفها: وقيل لموسى ترك البحر رهواً أي طرقا على حاله. ودخل فرعون وقومه البحر فلما دخل آخر قوم آل فرعون وجاز آخر قوم موسى، انطبق البحر على فرعون وقومه فاغرقوا. ويقال نادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى، وعرف ذلة وخذلة نفسه: لا إله إلا الذي امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين فان قيل: كيف لم يسو الله بين الخلق في هذه الآيات الباهرات التي اعطاها بني اسرائيل لتكون الحجة أظهر والشبهة أبعد؟ قيل الآيات يظهرها الله على حسب ما يعلم من المصلحة في ذلك، وعلى حد لا ينتهي إلى الالجاء والاضطرار وخولف بين الآيات لهم على قدر حدة اذهان غيره، وكلالة اذهانهم يدل على ذلك ان بعد مشاهدة هذه الآيات قالوا يا موسى أجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ولما كانت العرب من أحدّ الناس اذهاناً وأجودهم أوهاماً جاءت الآيات مشاكلة لطباعهم ومجانسة لدقة اذهانهم. وفي الجميع الحجة الباهرة، والآية القاهرة: وليس يمكن ان يقال انه لو ظهر لهم مثل تلك الآيات، لامنوا لا محالة. على وجه لا يكونون ملجئين اليه لأن ذلك لو كان معلوما، لأظهره الله تعالى. فلما لم يظهرها الله علناً انه لم يكن ذلك معلوما وموسى "ع" لم يكن مجتلباً إلى المعارف، لمشاهدته هذه الآيات، لأنه كان يقدم له الايمان بالله ومعرفته.
وقوله:
{وأغرقنا آل فرعون} وان لم يكن في ظاهره انه أغرق فرعون فهو دال عليه. وكأنه قال: وأغرقنا آل فرعون معهم، ـ وانتم تنظرون ـ فاختصر لدلالة الكلام عليه، لأن الغرض مبني على اهلاك فرعون وقومه ونظيره قول القائل: دخل جيش الامير الباذية. فان الظاهر من ذلك ان الامير معهم.