التفاسير

< >
عرض

قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ
٧١
قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ
٧٢
إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ
٧٣
إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ
٧٤
وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ
٧٥
-طه

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن كثير وحفص وورش { آمنتم } على لفظ الخبر. وقرأ اهل الكوفة إلا حفصاً بهمزتين. الباقون بهمزة واحدة بعدها مدة. قال ابو علي: من قرأ على الخبر، فوجهه أنه قرّعهم على تقدمهم بين يديه، وعلى استبدارهم بما كان منهم من الايمان بغير اذنه وأمره، والاستفهام يؤل الى هذا المعنى. ووجه قراءة أبي عمرو انه أتى بهمزة الاستفهام وهمزة الوصل، وقلب الثانية مدة، كراهية اجتماع الهمزتين. وقد مضى شرح ذلك فيما مضى.
حكى الله تعالى ما قال فرعون للسحرة حين آمنوا بموسى وهارون { آمنتم له } أي صدقتموه واتبعتموه { قبل أن آذن لكم } وقال فى موضع آخر
{ { آمنتم به } وقيل فى الفرق بينهما { إن آمنتم له } يفيد الاتباع، وليس كذلك { آمنتم به } لانه قد يوقن بالخير من غير اتباع له فيما دعا اليه إلا أنه إذا قبل قول الداعي الى أمر أخذ به. ومن قرأ "آمنتم على الخبر" كأن فرعون أخبر بذلك. ومن قرأ على لفظ الاستفهام كأنه استفهم عن ايمانهم على وجه التقريع لهم.
والفرق بين الاذن والأمر، أن فى الامر دلالة على إرادة الفعل المأمور به، وليس في الاذن دلالة على إرادة المأذون فيه، كقوله
{ { وإذا حللتم فاصطادوا } فهذا إذن. ثم قال فرعون { إنه } يعني موسى { لكبيركم } اي رئيسكم ومتقدمكم { الذي علمكم السحر } ثم هددهم فقال { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } يعني قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى او اليد اليسرى والرجل اليمنى. وقيل أول من فعل ذلك فرعون، وأول من صلب فى جذوع النخل هو، و { في } بمعنى (على) قال الشاعر:

وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا

وقوله { ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى } قال ابن اسحاق ومحمد بن كعب القرطي معناه: ابقى عقاباً ان عصي وثواباً ان اطيع، ورفع "أيّنا" لانه وقع موقع الاستفهام، ولم يعمل فيه ما قبله من العلم. وقيل انما نسبهم الى اتباع رئيسهم في السحر ليصرف بذلك الناس عن اتباع موسى (ع) فأجابته السحرة فقالوا { لن نؤثرك } أي لا نختارك يا فرعون { على ما جاءنا من البينات } يعني الادلة الدالة على صدق موسى وصحة نبوته. وقوله { والذي فطرنا } يعني وعلى الذي خلقنا فيكون عطفاً على { ما جاءنا من البينات } فيكون جراً، ويحتمل أن يكون جراً بأنه قسم. وقوله { فاقض ما أنت قاض } معناه فاصنع ما انت صانع على تمام من قولهم: قضى فلان حاجتي إذا صنع ما اريد على اتمام، قال ابو ذؤيب:

وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع

وقوله { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } يعنى انما تصنع بسلطانك وعذابك فى هذه الحياة الدنيا دون الاخرة. وقيل: معناه ان الذي يفنى وينقضي هذه الحياة الدنيا دون حياة الآخرة. وقوله { إنا آمنا بربنا } اي صدقنا به، نطلب بذلك أن يغفر لنا خطايانا ويغفر لنا ما اكرهتنا عليه من السحر. قال ابن زيد وابن عباس: إن فرعون رفع غلماناً الى السحرة يعلمونهم السحر بالغرائم قالوا { والله خير } لنا منكم { وأبقى } لنا ثواباً من ثوابك. ثم حكى قول السحرة انهم قالوا { إنه من يأت ربه مجرماً } وقيل انه خبر من الله تعالى بذلك دون الحكاية عن السحرة { فإن له جهنم } جزاء على جرمه وعصيانه { لا يموت فيها } يعني جهنم { ولا يحيى } اي لا يموت فيها فيستريح من العذاب، ولا يحيى حياة فيها راحة، بل هو معاقب بأنواع العقاب.
ثم اخبر تعالى فقال { ومن يأته مؤمناً } أي مصدقا بتوحيده وصدق أنبيائه و { قد عمل } الطاعات التى أمره بها { فأولئك لهم الدرجات العلى } أي العاليه والعلى جمع عليا مثل ظلمة وظلم والكبرى والكبر.