التفاسير

< >
عرض

قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ
٩٦
تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٩٧
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٩٨
وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ
٩٩
فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ
١٠٠
وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ
١٠١
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٠٢
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
١٠٣
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
١٠٤
-الشعراء

التبيان الجامع لعلوم القرآن

يقول الله تعالى مخبراً عن هؤلاء الكفار أنهم إذا حصلوا في الجحيم {يختصمون} والاختصام منازعة كل واحد منهم صاحبه بما فيه إنكار عليه واغلاظ له: يقال: اختصما في الامر اختصاماً. وتخاصما تخاصماً، وخاصمه مخاصمة. ويقول بعضهم لبعض {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} قال الزجاج: معناه ما كنا الا في ضلال مبين. وقال غيره: اللام لام الابتداء التي تدخل في خبر {ان} و {ان} هذه في الخفيفة من الثقيلة، ويلزمها اللام في خبرها، فرقاً بينها، وبين {ان} التي للجحد، وتقديره تالله ان كنا لفي ضلال مبين في الحال التي سويناكم - يخاطبون كل معبود من دون الله - {برب العالمين} الذي خلق الخلق، في توجيه العبادة اليكم. والتسوية اعطاء أحد الشيئين مثل ما يعطى الآخر، ومثله المعادلة والموازنة. والمراد - ها هنا - الشركة في العبادة.
ثم قال {وما أضلنا إلا المجرمون} بأن دعونا إلى الضلال فتبعناهم، وقبلنا منهم. ثم يقولون {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} أي لو كان لنا شفيع لسأل في أمرنا او صديق لدفع عنا، فقد آيس الكفار من شافع، وانما يقولون ذلك اذا رأوا جماعة من فساق أهل الملة يشفع فيهم، ويسقط عنهم العقاب ويخرجون من النار، يتلهفون على مثل ذلك، ويتحسرون عليه. والصديق هو الصاحب الذي يصدق المودة وصدق المودة اخلاصها من شائب الفساد. و (الحميم) القريب الذي يحمى بغضب صاحبه، والحميم هو الحامي، ومنه الحمى. وأحم الله ذلك من لقائه: أي ادناه، بمعنى جعله كالذي بلغ بنصحه إياه، وحم كذا أي قدر.
ثم اخبر تعالى أنهم يتمنون فيقولون {فلو أن لنا كرة} أي رجعة إلى دار التكليف {فنكون من المؤمنين} وانما جاز التمني بـ (لو)، لانه التقدير، كما أن التمني بـ (ليت) مثل ذلك لتقدير المعنى، إلا أن التقدير بـ (لو) لموجب غيره والتقدير بـ (ليت) للامتناع بالمقدر، وانما جاز جواب التمني، لان المعنى متصور بالتمني غير انه اذا كان بالفاء، فهو نصب، فلذلك نصب (فنكون) لأن الفاء اذا صرفت عن العطف أضمر معها (ان) للاشعار بالصرف.
ثم قال تعالى {إن في ذلك لآية} أي ان فيما قصصناه، وذكرناه لدلالة لمن نظر فيها واعتبر بها، لكن اكثرهم لا يعتبرون بها، ولا يؤمنون بها، وأخبر {إن ربك} يا محمد {لهو العزيز الرحيم} وإنما جمع بين الصفتين: العزيز والرحيم، ليرغب في طلب ما عند الله أتم الترغيب من حيث هو عظيم الرحمة واسع المقدور، منيع من معاجزة غيره. وقيل في وجه اخبارهم بأنهم يكونون مؤمنين لو ردوا إلى دار التكليف قولان:
احدهما - انهم يخبرون عن عزمهم، لان الله تعالى قد أخبر عنهم أنهم
{ لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ولا يجوز - ان يكونوا مع رفع التكليف وكمال عقولهم وحصول المعارف الضرورية - ان يكذبوا، لانهم ملجؤن إلى ترك القبيح بأن يخلق الله فيهم العلم الضروري، انهم لو راموا القبيح لمنعوا من ذلك، ولولا ذلك لكانوا مغزين بالقبيح وذلك لا يجوز.
والثاني - ان يكون ذلك القول منهم قبل دخولهم النار، وقبل ان يصيروا ملجئين. والاول أقوى.