التفاسير

< >
عرض

فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ
٨١
وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ
٨٢
تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
٨٣
مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٨٤
إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٨٥
وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ
٨٦
وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٨٧
وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٨
-القصص

التبيان الجامع لعلوم القرآن

روي عن الكسائي الوقف على "وي" من قوله تعالى "وي كأن الله" ومن قوله "وي كأنه" وروي عن ابن عمر الوقف على الكاف منهما قال ابو طاهر: الاختيار اتباع المصحف، وهما فيه كلمة واحدة، وقرأ حفص ويعقوب {لخسف بنا} بفتح الخاء والسين. الباقون بضم الخاء وكسر السين على ما لم يسم فاعله.
حكى الله تعالى أن خسف بقارون وبداره الأرض، فمر يهوي فيها حتى زهقت نفسه على اسوء حالها، والخسف ذهاب في الأرض في جهة السفل.
ثم اخبر تعالى انه لم يكن لقارون {فئة} أي جماعة منقطعة اليه. والفئة مشتق من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته، وتصغيرها فئية {ينصرونه من دون الله} أي يمنعونه من عذاب الله الذي نزل به، وانما ذكر امتناع النصرة من الله مع أنه معلوم أنه كذلك، لان المراد أنه لم يكن الأمر على ما قدره من امتناعه بحاشيته وجنده، لان الذي غره قوته وتمكنه حتى تمرد في طغيانه. ثم اخبر انه كما لم يكن له من ينصره لم يكن هو ايضاً ممن ينتصر بنفسه لضعفه عن ذلك وقصوره عنه. ثم حكى أن {الذين تمنوا مكانه بالأمس} حين خرج عليهم على زينته لما رأوه خسف الله به، أصبحوا يقولون {ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} أي يوسع رزقه على من يشاء ويضيق على من يشاء، اعترفوا بذلك. ومعنى (وي) التنبيه على أمر من الامور، وهي حرف مفصول من (كأن) - في قول الخليل وسيبويه - واختاره الكسائي. وذلك انهم لما رأوا الخسف تنبهوا فتكلموا على قدر علمهم عند التنبيه لهم، كما يقول القائل إذا تبين له الخطأ: وي كنت على خطأ، وقال زيد بن عمرو بن نفيل:

سألتاني، الطلاق إذ رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر
وي كأن من يكن له نشب يحـ ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر

وقيل (وي كأنه) بمنزلة (ألا كأنه، وأما كانه) وقيل هي: ويك إن الله، كأنه قال ينبهك بهذا إلا انه حذف، قال عنترة:

ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

وقال قوم: هي بمنزلة (ويلك) إلا انه حذف اللام تخفيفاً، ونصب انه بتقدير اعلم انه لا يفلح، وهذا ضعيف، لان العلم لا يضمر ويعمل. وقال الفراء: سألت امرأة زوجها عن أبيه فقال ويك إنه وراء الحائط، ومعناه ألا ترينه وراء الحائط. وقيل المعنى إن {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} لا لكرامة عليه، كما بسط لقارون {ويقدر} أي يضيق لا لهوانة عليه، كما ضيق على أنبيائه.
ثم قالوا {لولا أن منّ الله علينا} وعفى عنا لخسف بنا، كما خسف بقارون {ويك أنه لا يفلح الكافرون} أي لا يفوز بثوابه وينجو من عقابه من يجحد نعم الله ويعبد معه سواه. وقيل: إن قارون جعل لبغيّ جعلا على أن ترمي موسى بالفاحشة، فلما حضرت في الملأ كذبت قارون واخبرت بالحق فخر موسى ساجداً يبكي، فأوحى الله اليه ما يبكيك قد سلطتك على الأرض فمرها بما شئت، فقال موسى يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى حقرويهم ثم قال يا ارض خذيهم، فاخذتهم إلى اعناقهم وهم في كل ذلك ينادون يا موسى يا موسى ارحمنا - ذكره ابن عباس - وروي أن الله تعالى قال: لو قالوا مرة واحدة يا الله ارحمنا لرحمتهم. ثم قال تعالى {تلك الدار الآخرة} يعني الجنة {نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض} وانما قبح طلب العلو في الارض، لأنه ركون اليها، وترك لطلب العلو في الآخرة، ومعاملة لها بخلاف ما أراده الله بها من أن تكون دار ارترحال لا دار، مقام فيها {ولا فساد} أي ولا يريدون فساداً في الارض بفعل المعاصي {والعاقبة للمتقين} اخبار منه تعالى بأن العاقبة الجميلة من الثواب للذين يتقون معاصي الله ويفعلون طاعاته. وقيل: علوّاً في الارض معناه تكبراً عن الحق.
ثم اخبر تعالى ان من جاء بطاعة من الطاعات وحسنة من الحسنات {فله خير منها} ثواباً عليها وجزاء عليها، لان له بالواحدة عشراً {ومن جاء بالسيئة} يعني بالمعصية {فلا يجزى الذين عملوا السيئات} يعني الذين عملوا المعاصي إلا على قدر استحقاقهم على ما فعلوه من غير زيادة. كما قال
{ ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } }. وقوله {إن الذي فرض عليك القرآن} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله له إن الذي أوجب عليك الامتثال بما يضمنه القرآن وأنزله عليك {لرادك إلى معاد} قال الحسن: معناه إلى المرجع يوم القيامة. وقال مجاهد: إلى الجنة. وقال ابن عباس: إلى الموت. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إلى مكة. والأظهر من الاقوال: لرادك إلى معاد في النشأة الثانية إلى الجنة. واكثر أقوال المفسرين انه أراد إلى مكة قاهراً لأهلها.
ثم قال له {قل} يا محمد {ربي أعلم من جاء بالهدى} الذي يستحق به الثواب ممن لم يجيء به، وضل عنه، لا يخفى عليه المؤمن من الكافر، ولا من هو على الهدى، ولا من هو ضال عنه.
ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {وما كنت} يا محمد {ترجو أن يلقى اليك الكتاب إلا رحمة من ربك. فلا تكونن ظهيراً للكافرين} قال الفراء: تقديره إلا أن ربك رحمك. فانزله عليك، فهو استثناء منقطع. ومعناه وما كنت ترجو أن تعلم كتب الأولين وقصصهم تتلوها على أهل مكة، ولم تشهدها ولم تحضرها بدلالة قوله
{ وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو } أي انك تتلو على أهل مكة قصص مدين وموسى ولم تكن هناك ثاوياً مقيماً فتراه فتسمعه وكذلك قوله { وما كنت بجانب الغربي } فها أنت تتلو قصصهم وأمرهم، فهذه رحمة من ربك. ومعنى {فلا تكونن ظهيراً} اي لا تكونن معيناً لهم {ولا يصدنك} يعني هؤلاء الكفار أي لا يمنعك "عن" اتباع {آيات الله} وحججه {بعد إذا أنزلت اليك} على ما بينها في القرآن {وادع إلى ربك} الذي خلقك وأنعم عليك {ولا تكونن من المشركين} الذين يتخذون مع الله معبودا سواه {ولا تدع مع الله إلهاً آخر} فتستدعي حوائجك من جهته {لا إله إلا هو} اخبار منه تعالى أنه لا معبود إلا الله وحده لا شريك له.
ثم اخبر أن كل من سوى الله هالك، فان {كل شيء هالك إلا وجهه} ومعناه إلا ذاته. وقيل: معناه كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه. قال الشاعر:

استغفر الله ذنباً لست محصيه رب العباد اليه الوجه والعمل

ثم قال {له الحكم} لانه ليس لأحد أن يحكم بشيء إلا بأمره الله تعالى. ويجعل الحكم له عقلياً كان او شرعياً و {اليه} إلى الله {ترجعون} يوم القيامة أي إلى الموضع الذي لا يملك أحد التصرف فيه سواه، لان الله تعالى قد ملك في الدنيا لكثير من البشر التصرف فيها.